ثمّ اعلم بعد هذا التّقسيم أنّ الخاطر الّذى من قبل اللّه تعالى ابتداءا قد يكون بخير إكراما وإلزاما للحجّة ، وقد يكون بشرّ امتحانا وتغليظا للمحنة ؛ والخاطر الّذى يكون من قبل الملهم لا يكون إلّا بخير إذ هو ناصح مرشد لم يرسل
شرح
معاينة الغيب بعين اليقين فهو مشاهدة ، وما كان من تحدث النفس بمعاشها فهو هم ، وما كان من خواطر العادات ونوازع الشهوات فهو لمم ، ويسمى جميع ذلك خواطر ، لأنه خطور همة نفس أو خطور عدو بحدس ، أو خطرة ملك بهمس ؛ ثم إن ترتيب الخواطر المنشأة من خزائن الغيب القادحة في القلب على ستة معان ، وهي حدود الشئ المظهر ثلاثة منها معفوة ، وثلاثة مطالب بها ، فأول ذلك الهمة وهو ما يبدو من وسوسة النفس بالشيء يجده العبد بالحس كالبرق ، فان صرفها بالذكر امتحت ، وإن تركها بالغفلة صارت خواطر ، وهي خطور العدو بالتزيين ، وإن نفى الخاطر ذهب ، وإن دنا منه قوى فصار وسوسة ، وهذه محادثة النفس للعدو وإصغاؤها إليه ، وإن نفى العبد هذه الوسوسة بذكر اللّه عز وجل خنس العدو وضعفت النفس ، وهذه الثلاثة معفوة رحمة من اللّه تعالى غير مؤاخذ بها العبد ، وإن مرح العدو والنفس في محادثة العدو وطاولت النفس للعدو بالإصغاء والمحادثة قويت الوسوسة فصارت نية ، فان أبدل العبد هذه النية بنية خير أو استغفر منها وتاب وإلا قويت فصارت عقدا ، فان حل هذا العقد بالتوبة وهو الإصرار وإلا قوى فصار عزما ، وهو القصد ، وهذه الثلاثة من أعمال القلب مأخوذ بها العبد ومسؤول عنها ، فان تداركه اللّه تعالى بعد العزم وإلا تمكن العزم فصار طلبا وسعيا ، وظهور العلم على الجوارح من خزانة الغيب والملكوت فصار من أعمال الجسم في خزانة الملك والشهادة ، فهذه المعاني توجد من أعمال البر والإثم ، فما كان منها من البرهمة ونية وعزما كان محسوبا للعبد في باب النيات مكتوبا له في ديوان الإرادات له به حسنات ، وما كان منها من الشر نية وعقدا وعزما ؛ فعلى العبد فيه مؤاخذة من باب أعمال القلوب ونيات السوء وعقود المعاصي ، وليس مجانس للعدو ومؤاخ له إلا النفس جمع بينهما في الوسوسة . قال اللّه تعالى« الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ ». وقال تعالى« وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ »وكل شئ خلقه اللّه تعالى فله مثل وضد ، فمثل النفس الشيطان ، وصدها الروح وأعمال الجوارح من النوعين الطاعة والمعصية أعظم في الأجر والوزر معا إلا ما لا يتأتى أن يعلمه بظاهر الجسم من شهادة التوحيد أو وجود شك وكفر واعتقاد بدعة ، واللّه أعلم ، أفاده العلامة المحقق الزبيدي ( ثم اعلم بعد هذا التقسيم ) أي تقسيم الخواطر إلى أربعة أقسام كما ذكره المصنف ( أن الخاطر الذي ) يكون ( من قبل اللّه تعالى ) بكسر القاف وفتح الباء : أي من عنده ( ابتداء قد يكون بخير إكراما وإلزاما للحجة ، وقد يكون ) الخاطر ( بشر امتحانا وتغليظا ) أي تشديدا ( للمحنة ) أي البلية ( والخاطر الذي يكون من قبل الملهم ) أي جهته ( لا يكون إلا بخير إذ هو ) أي الملهم ( ناصح ) أي مريد للخير ( مرشد لم يرسل ) بالبناء للمفعول أي الملهم