إليها ، وسمّيت خواطر لاضطرابها من خطرات الرّيح ونحوها وحدوثها جميعا في قلب العبد بالحقيقة من اللّه سبحانه وتعالى .
شرح
( إليها ) أي الأفعال أو التروك ( وسميت ) أي الآثار ( خواطر لاضطرابها ) أي تقلبها ، فذلك مأخوذ ( من خطرات الريح ) . وفي نسخة : الرمح ( ونحوها وحدوثها ) أي الخواطر ( جميعا في قلب العبد بالحقيقة من اللّه سبحانه وتعالى ) فالخواطر الواردة على القلب أربعة : خاطر ملكي ؛ وخاطر شيطانى ، وهما الأصلان المفهومان من حديث اللمتين المتقدم ذكره قريبا ، وخاطر روحي وخاطر نفسي وهما الفرعان . وفي كلام بعضهم : أن حركة النفس والروح هما الموجبتان للمتين ، والصحيح أن اللمتين تتقدمان على حركة الروح والنفس ؛ فحركة الروح من لمة الملك ، والهمة العالية من حركة الروح ، وهذه الحركة من الروح ببركة لمة الملك ، وحركة النفس من لمة الشيطان ، ومن حركة النفس الهمة الدنيئة ، وهي شؤم لمة الشيطان ، فإذا وردت اللمتان ظهرت الحركتان وظهر سر العطاء والابتلاء من معط كريم ومبتل حكيم ، وقد تكون هاتان اللمتان متداركتين وينمحي أثر أحدهما بالآخر ؛ والمتفطن المتيقظ ينفتح عليه بمطالعة وجود هذه الآثار في ذاته من باب أنس ويبقى أبدا مفتقدا حاله مطالعا آثار اللمتين ؛ وذكروا خاطرين آخرين : خاطر العقل ، وخاطر اليقين ؛ فخاطر العقل متوسط بين الخواطر الأربعة ؛ يكون مع النفس والعدو لوجود التمييز وإثبات الحجة على العبد ليدخل العبد في الشئ بوجود عقلي ، إذ لو فقد العقل سقط العتاب والعقاب ، وقد يكون مع الملك والروح ليوقع الفعل مختارا ويستوجب به الثواب ، وقد تقدمت الإشارة إلى أنه ليس من العقل خاطر على الاستقلال ؛ وإنما أصله تارة من خاطر الملك وتارة من خاطر النفس . وأما خاطر اليقين ، فهو روح الإيمان ومزيد اليقين ، وحاصله راجع إلى ما يرد من الحق سبحانه . وقال صاحب القوت : جمل الخواطر ستة : هي حدود القلب وقوادحه من ورائها خزائن القلب وملكوت القدرة وهي جنود اللّه تعالى ، والقلب خزانة من خزائن الملكوت ، وقد أودعه قبله من لطائف الرغبوت والرهبوت ، وشعشع فيه من أنوار العصمة والجبروت ، فأول التفصيل : خاطر النفس وخاطر العدو ، وهذان لا يعدمهما عموم المؤمنين ، وهما مذمومان محكوم لهما بالسواء لا يردان إلا بالهوى وعند العلم ، وخاطر الروح وخاطر الملك ، وهذان لا يعدمهما خصوص المؤمنين ، وهما محمودان لا يردان إلا بحق وبما دل عليه العلم ، وخاطر العقل متوسط بين هذه الأربعة يصلح للمذمومين فيكون حجة على العبد لمكان تمييز العقل وتقسيم المعقول ، ويصلح أيضا أن يكون للمدوحين فيكون شاهدا للملك ومؤيدا لخاطر الروح . والخاطر السادس هو خاطر اليقين وهو روح الإيمان ومزيد العلم يردان إليه ويصدران عنه ، وهذا الخاطر مخصوص لخصوص لا يجده إلا الموقنون .
وهم الشهداء والصديقون لا يرد إلا بحق وإن خفى وروده ودق ، ولا يقدح إلا بعلم اختيار المراد مختار وإن لطفت أدلته وبطن وجه الاستدلال به ، ولكن ليس يخفى هذا الخاطر على مقصود به مراد له ، وهم الذين وصفهم اللّه تعالى بالذكرى ، فقال « إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب »