[ الكلام علي الخواطر التي ترد علي قلب العبد ]
ثمّ ركّب اللّه تعالى في بنية الإنسان طبيعة مائلة إلى الشّهوات ونيل الّلذّات كيف كانت من حسن أو قبح فذلك هوى النّفس الصّارفة إلى الآفات ، فهذه ثلاثة دعاة .
ثمّ اعلم بعد هذه المقدّمة أنّ الخواطر هي آثار تحدث في قلب العبد تبعثه على الأفعال والتّروك وتدعوه
شرح
إن فطم نفسه عن الجحود والخيالات والمحسوسات وأنس بالادراك أخذ شبها آخر من الملائكة ، فان خاصية الحياة الادراك والفعل ، وإليهما يتطرق النقصان والكمال ، ومهما اقتدى بالملائكة في هاتين الخاصيتين كان أقرب من الملائكة كما أفاده العلامة الزبيدي .
واعلم أن التمييز بين اللمتين لا يهتدى إليه أكثر الناس وإنما يتشوف إلى معرفتهما ، وتمييز الخواطر طالب مريد يتشوف إلي ذلك كتشوف العطشان إلى الماء لما يعلم من وقع ذلك وخطره وصلاحه وفساده ، ويكون ذلك عبدا مرادا بالحظوة بصفو اليقين ومنح الموقنين ، وأكثر التشوف إلى ذلك للمقربين ، ومن أخذ به في طريقهم ومن أخذ في طريق الأبرار قد يتشوف إلى ذلك بعض التشوف ، لأن التشوف إليه يكون علي قدر الهمة والطلب والإرادة والحظ من اللّه الكريم ومن هو في مقام عامة المسلمين والمؤمنين لا يتطلع إلى معرفة اللمتين ، ولا يهتم بتمييز الخواطر ( ثم ركب اللّه تعالى في بنية الانسان ) أي خلقته ( طبيعة مائلة إلى الشهوات ) أي المشتهيات ( ونيل اللذات كيف كانت من حسن ) أي حلال ( أو قبيح ) أي حرام ( فذلك ) أي الميل إلي الشهوات ونيل اللذات ( هوى النفس الصارفة إلى الآفات ) . والهوى بالقصر : ميل النفس إلى مالا يليق شرعا ، وقد يطلق على ميل النفس المحمود ، كقول عائشة رضى اللّه عنها : ما أرى ربك إلا يسارع في هواك : أي فيما تميل إليه نفسك ، ولا تميل نفسه صلّى اللّه عليه وسلّم إلا إلي الممدوح ( فهذه ) أي المذكورات من الدعوات ( ثلاثة دعاة ) جمع داع ، وهي دعوة الملك ودعوة الشيطان ودعوه النفس . ( ثم اعلم بعد هذه المقدمة ) من بيان أصل الخواطر ، والمراد بها هنا مقدمة العلم التي هي اسم للمعاني المخصوصة ، وهي بكسر الدال من قدم اللازم بمعنى تقدم أو المتعدى لأنها مقدمة من فهمها على غيره ، وبالفتح من قدم المتعدى ، لأن أهل العقول قدموها لما اشتملت عليه ، والأول أولى لأنها تقدم غيرها ، وما قدم غيره أولى مما قدم نفسه ، لأن الغالب أن الشخص لا يقدم غيره إلا إذا كان مقدما كما أفاده العلامة ابن عمر البقرى ( أن الخواطر ) هي المحركات للارادات فإن النية والعزم والإرادة إنما تكون بعد خطور المنوى بالبال لا محالة ، فمبدأ الأفعال الخواطر ، ثم الخاطر يحرك الرغبة ، والرغبة تحرك العزم ، والنية تحرك الأعضاء ، فعلم من ذلك أنها ( هي آثار تحدث ) وتحصل ( في قلب العبد ) بعد أن كان القلب غافلا عنها ، ويعنى بما يحدث ويحصل فيه مما ذكر إدراكاته علوما إما على سبيل التجدد وإما على سبيل التذكر كما صرح به حجة الاسلام في غير هذا المحل ( تبعثه ) أي تحمله تلك الآثار الحاصلة في قلبه ( على الأفعال والتروك وتدعوه ) أي العبد