[ من الدقائق التي أنكرها المنكرون وطعنوا فيها على الإمام الغزالي ما وقعت في مواضع من الإحياء ]
على أفهام العامّة فقدحوا فيها وخاضوا فيما لم يحسنوه منها ، فأىّ كلام أفصح من كلام ربّ العالمين . وقد قالوا فيه : إنّه أساطير الأوّلين ،
شرح
عليه الأمر : إذا أشكل فلم يهتد إلى جهة الصواب فيه ( على أفهام العامة ) لقصورها ( فقدحوا ) أي طعنوا وشنعوا ( فيها ) لأن الناس أعداء ما جهلوا ( وخاضوا ) أي دخلوا في التكلم والتحدث في الباطل ( فيما لم يحسنوه ) أي لم يعرفوه ولم يحيطوا بعلمه ( منها ) ومع ذلك لا غرو ولا عجب ( فأىّ كلام أفصح ) أي لا كلام أبلغ وأحسن ( من كلام رب العالمين ، و ) الحال أنهم ( قد قالوا فيه : إنه أساطير الأولين ) أي حكاياتهم التي سطرت قديما ، جمع أسطورة بالضم أو إسطارة بالكسر كما قاله بعض المفسرين .
ومن الدقائق التي أنكرها المنكرون وطعنوا فيها على المصنف أبى حامد الغزالي ما وقعت في مواضع من الإحياء : منها ما هو قول منسوب إليه ، ومنها ما نقله عن غيره من العارفين ، وأثبته وسكت عليه ، فالآن نذكر بعضها من شرح الإحياء ملخصا للايجاز كما هو مقتضى هذه التعليقات .
فأقول وباللّه التوفيق : فمن ذلك قوله فيه : المقصود بالرباضة تفريغ القلب وليس ذلك إلا بالخلوة والجلوس في مكان مظلم ، فإن لم يكن مظلما لف رأسه في جيبه أو تدثر بكساء أو رداء فإنه في مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق تعالى ويشاهد جلال الربوبية . قال المنكر : انظروا إلى هذه الترهات العجيبة وكيف صدرت من فقيه ومن أين له أن الذي يسمعه إذ ذاك هو نداء الحق تعالى أو أن الذي يشاهده جلال الربوبية وما يؤمنه أن يكون ما يجده هو من الوساوس والخيالات الفاسدة وهذا هو الغالب ممن يستعمل التقلل في المطعم فإنه يغلب عليه الماليخوليا . والجواب أن ما قاله الغزالي تبعا لغيره صحيح ، لكن له شروط عند أهل الطريق من بلوغه في الورع الغاية القصوى ومداومة مراقبة اللّه مع الأنفاس وعدم شغل قلبه بنعيم الدنيا والآخرة ، وهناك يخرج العبد من مواطن التلبيس من النفس والشيطان وتصير روحه ملكية فيشاهد جلال الربوبية كما تشاهده الملائكة ، وكل من دخل الخلوة على مصطلح أهل اللّه عرف ما أقول ، ومن لم يدخل فهو معذور في إنكاره لعدم وجدانه ما ذكره الغزالي في نفسه ، ومما أنكروا عليه أيضا تقريره في الإحياء قول أبى سليمان الدّارانى : إذا طلب الرجل الحديث أو سافر في طلب المعاش أو تزوج فقد ركن إلى الدنيا قال المنكر : هذه الثلاثة أشياء مخالفة لقواعد الشريعة ، وكيف لا يطلب الحديث وقد ورد « إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم » . وكيف لا يطلب المعاش وقد قال عمر رضى اللّه عنه : لأن أموت من سعى رجلي أطلب كفاف وجهي أحبّ إلى من أن أموت غازيا في سبيل اللّه ، وكيف لا يطلب التزويج وصاحب الشرع صلّى اللّه عليه وسلّم يقول « تناكحوا تناسلوا » فما أدرى هذه الأوضاع من الصوفية إلا على خلاف الشرع . والجواب أن مثل الإمام الغزالي لا يجهل مثل هذه الأمور بدليل مدحها في مواضع أخر من كتاب الإحياء ، وإنما مراده أن الدخول في هذه