تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
فهذان داعيان قائمان على قلبه يدعوانه وهو يسمع قلبه يحسّ بذلك على ما روى في الأخبار أنّه عليه الصّلاة والسّلام قال : « إذا ولد لابن آدم مولود قرن اللّه سبحانه به ملكا وقرن الشّيطان به شيطانا ، فالشّيطان جاثم على أذن قلب ابن آدم الأيسر والملك جاثم على أذن قلبه الأيمن ، فهما يدعوانه .
شرح
بقلب بصير للمعاني ، ولسان ذلق : ولهجة مقبولة فكيف تكفر نعمة اللّه تعالى وتتعرض لسخطه وغضبه وتسكت عن إشاعة العلم وإفادته ، ودعوة الخلق إلى الصراط المستقيم ، ولا يزال اللعين يقرر ذلك وأمثاله ويستجره بلطيف الحيل ويستميله إلى ما يلقيه في خياله إلى أن يشتغل بوعظ الناس مدة ، ثم يدعوه بعد ذلك إلى أن يتزين لهم ويتصنع بتحسين اللفظ وإظهار الخير ، ويقول له إن لم تفعل ذلك سقط وقع كلامك من قلوبهم ولا يهتدوا إلى الحق ، وإنما تجلب خواطرهم بتأثير كلامك فيهم إذا تزينت لهم بحسن الزي وأظهرت الفصاحة والبلاغة ، ولا يزال يقرر ذلك عنده ويحسنه له وهو في أثنائه يؤكد فيه شوائب الرياء ، وقبول الحق ولذة الجاه والتعزز بكثرة الأتباع والحشم والخدم ، وبكثرة العلم والنظر إلى الخلق بعين الاحتقار فيستدرج المسكين بالنصح إلى الهلاك فيتكلم على العامة وهو يظن أن قصده الخير ، وإنما قصده الجاه والقبول فيهلك بسببه وهو يظن في نفسه أنه عند اللّه بمكان عظيم وهو ممن قال فيهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « إن اللّه ليؤيد هذا الدين بقوم لا خلاق لهم » . رواه النسائي من حديث أنس بإسناد جيد وقال « إن اللّه ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر » متفق عليه من حديث أبي هريرة ؛ ولذلك روى أن إبليس جاء لعيسى عليه السّلام فقال له قل لا إله إلا اللّه ، فقال عيسى كلمة حق لا أقولها بقولك ، وذلك لأن له أيضا تحت الخير تلبيسات ومخادعات ، وتلبيسات الشيطان من هذا الجنس لا تتناهى ، وبها تهلك العلماء والعباد والزهاد والفقراء والأغنياء وأصناف الخلق ممن يكرهون ظاهر الشر ولا يرضون لأنفسهم الخوض في المعاصي المكشوفة الظاهر للناس ، فقد استمالهم بتلك الخدع : واستولى على قلوبهم فعميت بها أبصارهم ، كذا ذكره مصنفنا الغزالي وغيره ( فهذان ) أي الملهم والشيطان ( داعيان قائمان على قلبه ) أي العبد ( يدعوانه ) إلى مطلوبهما ( وهو يسمع قلبه يحس ) أي يعلم ( بذلك ) أي الذي يدعوانه إليه ( على ما روى في الأخبار أنه عليه الصلاة والسّلام قال : إذا ولد ولد لابن آدم مولود قرن اللّه سبحانه به ) أي المولود ( ملكا وقرن الشيطان به شيطانا فالشيطان جاثم ) أي قاعد ( على أذن قلب ابن آدم الأيسر والملك جاثم على أذن قلبه ) أي ابن آدم ( الأيمن ، فهما ) أي الملك والشيطان ( يدعوانه ) أي يدعو الملك ابن آدم إلى الخير والشيطان إلى الشر ، وهذا الحديث لم أر له أصلا يرجع إليه إلا أن معناه صحيح . روى من حديث ابن مسعود رضى اللّه عنه بلفظ « ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة ، قالوا وإياك يا رسول اللّه ؟ قال وإياي إلا أن اللّه عز وجل أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير » وكذلك رواه أحمد .