[ معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلم « للشيطان لمة بابن آدم وللملك لمة » ]
وقال النّبىّ صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم : « للشّيطان لمة بابن آدم وللملك لمّة » يعنى نزلة بالدّعوة من قولهم : لمّ بالمكان وألمّ به إذا نزل به ،
شرح
( وقال النبي صلى اللّه عليه وعلى آله وسلم : للشيطان ) أي إبليس أو بعض جنده ( لمة ) بالفتح وتشديد الميم فعلة من الإلمام ، ومعناه : النزول والقرب والإصابة ، والمراد بها ما يقع في القلب بواسطة الشيطان أو الملك ( بابن آدم ) أي بهذا الجنس ، فالمراد به الإنسان ، ولمة الشيطان هو إيعاد بالشر وتكذيب بالحق ونهى عن الخير ، فمن وجد ذلك فليستعذ باللّه من الشيطان الرجيم هكذا في رواية أخرى ( وللملك لمة ) أي إيعاد بالخير وتصديق بالحق ، فمن وجد ذلك فاعلم أنه من اللّه سبحانه وليحمد اللّه ، وهذا الحديث أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان عن ابن مسعود رضى اللّه تعالى عنه ( يعنى ) باللمة ( نزلة بالدعوة ) من الجانبين ، مأخوذ ( من قولهم لم ) الرجل ( بالمكان ، وألم به ) إلماما ؛ ومعناه ( إذا نزل به ) أي بذلك المكان . وفي المصباح : وألم الرجل بالقوم إلماما : أتاهم فنزل بهم ، ولممت الشئ لما : ضممته انتهى . وقال الحسن البصري رحمه اللّه تعالى : إنما هما همان يجولان في القلب : هم من اللّه تعالى ، وهم من العدو ؛ فرحم اللّه عبدا وقف عند همه ، فما كان من اللّه تعالى أمضاه ، وما كان من عدو جاهده ؛ فالقلب إذا متجاذب بين الشيطان والملك ؛ ولتجاذب القلب بين هذين المسلمين ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن » رواه مسلم من حديث عبد اللّه بن عمر ؛ فاللّه يتعالى عن أن يكون له أصبع مركبة من لحم وعظم ودم وعصب منقسمة بالأنامل ولكن روح الأصبع سرعة التقليب والقدرة على التحريك والتغيير ، فإنك لا تريد أصبعك لشخصه بل لفعله في التقليب والترديد ، كما أنك تتعاطى الأفعال بأصابعك ، وجميع الألفاظ الموهومة في الأخبار يكفي في دفع إيهامها قرينة واحدة : وهي معرفة اللّه ، ومعرفة أنه ليس بجسم ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا واللّه تعالى إنما يفعل ما يفعله باستسخار الملك والشيطان ، وهما مسخران بقدرته في تقليب القلوب :
أي جرها إلى خير أو شر ، كما أن أصابعك مسخرة لك في تقليب الأجسام مثلا ، والقلب بأصل الفطرة صالح لقبول آثار الملك ، ولقبول آثار الشيطان صلاحا مساويا بطرفيه ليس يترجح أحدهما على الآخر ، وإنما يترجح أحد الجانبين باتباع الهوى والإكباب على الشهوات أو الإعراض عنها ومخالفتها ، فإن اتبع الانسان مقتضى الغضب والشهوة ظهر تسليط الشيطان بواسطة الهوى وصار القلب عش الشيطان ، لأن الهوى هو مرعى الشيطان ومرتعه ، وإن جاهد الشهوات ولم يسلطها على نفسه بأن تنصل عنها واسترذلها وتشبه بأخلاق الملائكة عليهم السّلام صار قلبه مستقر الملائكة ومهبطهم ؛ وبالجملة إن المستولى على الإنسان أولا : شهوته وغضبه ، وبحسب مقتضاهما انبعاثه إلى أن يظهر فيه الرغبة في طلب الكمال والنظر للعاقبة ، وعصيان مقتضى الشهوة والغضب ، فإن غلب الشهوة والغضب حتى ملكهما وضعفا عن تحريكه وتسكينه أخذ بذلك شبها من الملائكة ، وكذلك