فالملهم لا يدعوه إلّا إلى الخير ، والوسواس لا يدعوه إلا إلى الشّرّ في قول أكثر علمائنا .
وقد حكى عن شيخنا رحمه اللّه انّ الشّيطان ربّما يدعو إلى الخير وقصده في ذلك الشّرّ بأن يدعوه إلى المفضول ليمنعه عن الفاضل أو يدعوه إلى خير ليجرّه إلى ذنب عظيم لا يفي خيره بذلك الشّرّ من عجب أو غيره .
شرح
القلب لقبول إلهام الخير يسمى توفيقا ، والذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان يسمى إغواء وخذلانا ، فإن المعاني المختلفة تفتقر إلى أقسام مختلفة ، والوسوسة في مقابلة الإلهام ، والشيطان في مقابلة الملك والتوفيق في مقابلة الخذلان ، فكل منهما زوج للآخر مقابل له ؛ منها ما هي أدوات الظاهر ، ومنها ما هي أعراض الباطن وهي حواس الجسم والقلب بأدوات الجسم هي الصفات الظاهرة وأعراض القلب هي المعاني الباطنة قد عدلها سبحانه بحكمته وسواها علي مشيئته وقومها إتقانا بصنعته : أولها النفس والروح وهما مكانان للالقاء ، والعدو والملك وهما شخصان يلقيان الفجور والتقوى . ومنها عرضان متمسكان في مكانين ، وهما العقل والهوى عن حكمين من مشيئة حاكم وهما التوفيق والإغواء ، ومنها نوران ساطعان في القلب عن تخصيص من رحمة راحم ، وهما العلم ، والإيمان فهذه أدوات القلب وحواسه ومعانيه وآلاته وإليه الإشارة بقوله تعالى« وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ »وقوله تعالى« الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ »وقوله تعالى« لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ »فإن الموجودات كلها متقابلة مزدوجة مسواة معدولة مقومة إلا اللّه تعالى ، فإنه لا مقابل له ، كما أنه لا شريك له ، بل هو الواحد المطلق الخالق للأزواج كلها ( فالمهم لا يدعوه ) أي العبد ( إلا إلى الخير والوسواس لا يدعوه إلا إلى الشر في قول أكثر علمائنا ) رضى اللّه عنهم ( وقد حكى عن شيخنا ) أبى بكر الوراق ( رحمه اللّه ) أنه قال ( إن الشيطان ربما يدعو ) العباد ( إلى الخير ) لأن الشيطان لا يقدر على دعائهم إلى الشر الصريح ، فيصوّر الشر ويلقيه بصورة الخير فيشبه عليهم بذلك ، كذا قاله الغزالي وغيره ( وقصده ) أي الشيطان ( في ذلك ) أي في دعوته إلى الخير ( الشر ) حتى يلحقهم« بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً »( بأن يدعوه ) : الشيطان ( إلى المفضول ) من الأعمال ( ليمنعه ) أي العبد المدعو إلى المفضول ( عن الفاضل أو ) أن ( يدعوه إلى خير ليجره ) أي المدعو ( إلى ذنب عظيم لا يفي خيره ) أي خير عمل الخير الذي دعاه الشيطان إليه ( بذلك الشر ) الذي هو مطلوب ذلك اللعين ( من عجب أو غيره ) كالرياء والسمعة ونحو ذلك من الصفات المذمومة ، وصورة ذلك أي دعوة الشيطان إلى الشر بصورة الخير ، كما يقول للعالم الماهر بطريق الوعظ للعامة : أما تنظر للخلق وهم موتى من الجهل هلكى من الغفلة ، قد أشرفوا على النار ، وكادوا أن يتساقطوا فيها ، أما لك رحمة على عباد اللّه تخلصهم من العطب والهلاك بنصحك ووعظك ، وقد أنعم اللّه عليك