[ كيف نعلم مكايد الشيطان وكيف الطريق إلى معرفة ذلك ]
« الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ »
فكذلك هذا ؛ ثمّ إنّ محاربته وقهره فيما قاله علماؤنا رضى اللّه عنهم في ثلاثة أشياء : أحدها أن تتعرّف وتتعلّم مكايده وحيله فلا يتجاسر حينئذ عليك كاللّصّ إذا علم أنّ صاحب الدّار قد أحسّ به فرّ .
والثّانى أن تستخفّ بدعوته فلا تعلّق قلبك بذلك ولا تتّبعه فإنّه بمنزلة الكلب النّابح إن أقبلت عليه أولع بك ولجّ وإن أعرضت عنه سكت . والثّالث أن تديم ذكر اللّه سبحانه بلسانك وقلبك ،
شرح
لا يتصف بالحدوث كما صرح به العلامة الكرخي ( الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ) في الشدائد ( فكذلك هذا ) أي كما سلط الكفار سلط هذا الشيطان ( ثم إن محاربته ) أي الشيطان ( وقهره فيما قاله علماؤنا رضى اللّه عنهم في ثلاثة أشياء : أحدها أن تتعرف ) أي تطلب المعرفة ( وتتعلم مكايده ) أي مكره ( وحيله ) بكسر الحاء وفتح الياء جمع حيلة اسم من الاحتيال كما في المختار ، وسيأتي بيان ذلك عند قوله : فإن قلت ( فلا يتجاسر ) أي يجترىء ويقدم ( حينئذ ) أي حين إذ تعلم مكايده ( عليك ) وذلك ( كاللص ) بضم اللام وفتحها : أي السارق والجمع لصوص ( إذا علم ) أي السارق ( أن صاحب الدار قد أحسّ به فرّ ) أي هرب ذلك السارق خوفا من الأخذ ، وفي المصباح : فرّ من عدوّه يفرّ من باب ضرب فرارا هرب ( والثاني أن تستخف ) أي تستهين ( بدعوته ) أي الشيطان إلى أنواع الشرور ( فلا تعلق قلبك بذلك ) أي بما دعاه إليها ( ولا تتبعه فإنه ) أي اللعين ( بمنزلة الكلب النابح ) النباح صوت الكلب ( إن أقبلت عليه أولع بك ) بالبناء للمجهول : أي علق بك شديدا ( ولج ) من باب ضرب ومن باب علم وهو أحسن : أي تمادى في الغلو إلى الفعل المزجور عنه في الخصومة وفي الأمر لازمه وواظبه وأبي أن ينصرف عنه ( وإن أعرضت عنه ) أي الكلب النابح ( سكت . والثالث أن تديم ذكر اللّه سبحانه بلسانك وقلبك ) وذلك لأن الشيطان هجام على قلب المؤمن غير غافل عن مكايده . قال رجل للحسن البصري :
يا أبا سعيد أينام الشيطان ؟ فتبسم وقال : لو نام لاسترحنا . وقال بعض الحكماء : نظرت وتفكرت من أي باب يأتي الشيطان إلى الإنسان ، فإذا هو يأتي من عشرة أبواب : أولها يأتي من قبل الحرص وسوء الظن ، فقابلته بالثقة والقناعة ، فقلت بأي آية أتقوى عليه من كتاب اللّه تعالى ؟
فوجدت قول اللّه عز وجل« وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها »الآية فكسرته بذلك .
والثاني نظرت فإذا هو يأتي من قبل الحياة وطول الأمل ، فقابلته بخوف مفاجأة الموت ، فقلت بأي آية أتقوى عليه ؟ فوجدت قول اللّه تعالى« وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ »فكسرته بها . والثالث نظرت فإذا هو يأتي من قبل طلب الراحة وطلب النعمة ، فقابلته بزوال النعمة وسوء الحساب ، فقلت بأي آية أتقوى عليه ؟ فوجدت قول اللّه تعالى« ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا »