فإنّ الشّيطان كلب سلّطه اللّه سبحانه عليك فإن اشتغلت بمحاربته ومعالجته تعبت وضاع عليك وقتك ويظفر بك فيعقرك ويجرحك ، فالرّجوع إلى ربّ الكلب ليصرفه عنك أولى . والثّانى ما قال آخرون : إنّ الطّريق المجاهدة والقيام عليه بالدّفع والرّدّ والمخالفة .
شرح
للشيطان » الحديث ، وروى الترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة « إن الشيطان حساس لحاس من الطعام فاحذروه على أنفسكم » الحديث ، ودل أثر أبي هريرة السابق أن الشيطان يأكل ويشرب ويلبس ويشم حقيقة ، وقد شنع ابن العربي في شرح الترمذي على من قال : إن أكله إنما هو الشم فقط ، بل الصحيح أنه يشم ويأكل وله لذة في الشم كلذة في اللقمة كلذتنا في كل طعمة ، وكان أبو عبد اللّه محمد بن واسع البصري العابد يقول كل يوم بعد صلاة الصبح هذه الاستعاذة : اللهم إنك سلطت علينا عدوا بصيرا بعيوبنا : يعنى به الشيطان ، يرانا هو وقبيله من حيث لا نراهم ، اللهم فأيسه منا كما أيسته من رحمتك ، وقنطه منا كما قنطته من عفوك ، وباعد بيننا وبينه كما باعدت بينه وبين رحمتك إنك على كل شئ قدير . قال الراوي : فتمثل له إبليس يوما في طريق المسجد ، فقال يا ابن واسع هل تعرفني ؟ قال ومن أنت ؟ قال : أنا إبليس . قال وما تريد ؟ قال أريد أن لا تعلم أحدا هذه الاستعاذة ولا أتعرض لك . قال واللّه ما أمنعها ممن أرادها فاصنع ما شئت . وقال الحسن البصري رحمه اللّه « نبئت أن جبريل عليه السّلام أتى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال إن عفريتا من الجن يكيدك ، فإذا أويت إلي فراشك فاقرأ آية الكرسي » رواه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان هكذا مرسلا ( فان الشيطان كلب ) أي بمنزلته ( سلطه اللّه سبحانه ) أي جعله قاهرا ( عليك فان اشتغلت بمحاربته ) أي كلب الشيطان ( ومعالجته ) أي مزاولته ( تعبت وضاع ) أي هلك ( عليك وقتك ) الذي هو جوهر نفيس فان فات فلا مرد ( ويظفر بك ) أي يغلب ذلك الشيطان عليك ( فيعقرك ويجرحك ) مرادف لما قبله كما أفاده العلامة عبد الحق ( فالرجوع ) أي إن كان الأمر كذلك فالرجوع بالتفويض ( إلى رب الكلب ) أي خالقه سبحانه وتعالى ( ليصرفه عنك أولى ) أي أفضل من اشتغالك بالمحاربة والمعالجة ( والثاني ) من الطريقين ( ما قاله آخرون ) وهو ( أن الطريق ) في دفع الشيطان ( المجاهدة ) بتطهير القلب من الصفات المذمومة ، وذلك مما يطول ذكره فلتنظر ربع المهلكات من الإحياء للمصنف تجده خير مسلك مبين في ذلك ( والقيام ) أي المواظبة ( عليه ) أي الشيطان ( بالدفع والرد والمخالفة ) لمراده ، وذلك بتطهير القلب من الصفات المهلكات وسد مداخل الشيطان منها ، فإذا قطعت من القلب أصول هذه الصفات وسدت مداخله منها كان للشيطان بالقلب اجتيازات وخطرات ، ولم يكن له استقرار وتمكن بالكلية ، ويمنعه من الاجتياز ذكر اللّه تعالى ، لأن حقيقة الذكر لا تتمكن من القلب إلا بعد عمارته بالتقوى وتطهيره من الصفات المذمومة ، وذلك بعد