تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
شرح
التنصل عن العلائق وصدق التوبة والإنابة ، وإلا فيكون الذكر حديث نفس لا سلطان له على القلب فلا يدفع سلطان الشيطان ، ولذلك قال اللّه تعالى« إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ »فإنه خصص بذلك المتقى ، فقال« إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا »فعلم من ذلك أن عمارة القلب بالتقوى شرط في تأثير الذكر ودفع سورة الشيطان ، فمثل الشيطان كمثل كلب جائع يقرب منك ، فإن لم يكن بين يديك خبز أو لحم فإنه ينزجر بأن تقول له أخسأ : أي تأخر ، فمجرد الصوت يدفعه ، فإن كان بين يديك لحم أو خبز وهو جائع فإنه يهجم على اللحم أو الخبز ولا يندفع بمجرد الكلام الزاجر فالقلب الخالي عن قوت الشيطان ينزجر عنه بمجرد الذكر ولا يحتاج في دفعه إلى معالجة . فأما الشهوة إذا غلبت على القلب دفعت حقيقة الذكر إلى حواشي القلب فلم يتمكن من داخله فيستقر الشيطان في داخل القلب فيحتاج إلى معالجة شديدة لإخراجه عنه . وأما قلوب المتقين الخالية عن الهوى والصفات المذمومة فإنه يطرقها الشيطان لا للشهوات ، بل لخلوها بالغفلة عن الذكر ، فإذا عاد إلى الذكر خنس الشيطان وتأخر . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « ما سلك عمر فجا إلا سلك الشيطان فجا غير الذي سلكه عمر » . رواه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان ، وهذا لأن القلوب كانت مطهرة عن مرعى الشيطان وقوته وهي الشهوات ، فمهما طمعت في أن يندفع الشيطان عنك بمجرد الذكر كما اندفع عن عمر رضى اللّه عنه كان محالا وكنت كمن يسمع أن يشرب دواء قبل الاحتماء من المغلظات والمعدة مشغولة بغليظ الأطعمة ورديئها ، ويسمع أن ينفعه كما نفع الذي شربه بعد الاحتماء وتخلية المعدة لا يستويان ، فالذكر بمنزلة الدواء ، والتقوى بمنزلة الاحتماء وهي تخلى القلب عن الشهوات ، فإذا نزل الذكر قلبا فارغا عن غير الذكر اندفع الشيطان كما تندفع العلة بنزول الدواء في المعدة الخالية عن الأطعمة . قال اللّه تعالى« إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ »وقال تعالى« كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ »ومن ساعد الشيطان بعمله فهو مواليه ، وإن ذكر اللّه بلسانه فإنه لا يمنع موالاته وإن قلت قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إن الشيطان واضع خرطومه على قلب ابن آدم فان هو ذكر اللّه تعالى خنس وإن نسي التقم قلبه » قال العراقي : رواه ابن أبي الدنيا في مكايد الشيطان فهذا الحديث قد ورد مطلقا أن الذكر يطرد الشيطان ولم تفهم أن أكثر عمومات الشرع مخصوصة بشروط معروفة نقلها علماء الدين . فالجواب انظر إلى نفسك فليس الخبر كالعيان ، وتأمل أن منتهى ذكرك وعبادتك الصلاة إذ هي أعظم القربات إلى اللّه تعالى ؛ فراقب قلبك وتأمل إذا كنت في صلاتك كيف يجاذبه الشيطان إلى الأسواق ، وحساب المعاملين ، وجواب المعاندين وكيف يمر بك في أودية الدنيا ومهالكها حتى إنك لا تذكر ما قد نسيته من فضول الدنيا إلا في صلاتك ولا يزدحم الشيطان على قلبك إلا إذا صليت فيسوله بأنواع التسويلات ويشتته في أودية لا آخر لها حتى لا يدرى تارة كم صلى ، فالصلاة محك القلوب فيها يظهر محاسنها ومساويها فإن كانت مطهرة عن الشهوات ظهرت محاسنها في الصلاة بالإقبال على اللّه بكنه الهمة وإلقاء الوسواس وراء ظهره والا فبعكس ذلك ، فالصلاة لا تقبل من القلوب المشحونة بشهوات الدنيا ، فلا جرم لا ينطرد عنك