تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠

[ بيان أن الشيطان خلق لاختبارنا وصدق مجاهدتنا ورؤية صبرنا ]

قلت : والّذى عندي أنّ الطّريق العدل الجامع في أمره أن تجمع بين الطّريقين ، فتستعيذ باللّه تعالى أوّلا من شرّه كما أمرنا وهو الكافي شرّه ، ثمّ إن رأيناه يتغلّب علينا علمنا أنّه ابتلاء من اللّه تعالى ليرى صدق مجاهدتنا وقوّتنا في أمره سبحانه وتعالى ، ويرى صبرنا كما أنّه سلّط علينا الكفّار مع قدرته على كفاية أمرهم وشرّهم ليكون لنا حظّ من الجهاد والصّبر والتّمحيص والشّهادة كما قال تعالى :
« وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ »
وقال تعالى :
« أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ »
شرح
الشيطان ولا ينزجر بالذكر بل ربما يزيد عليك الضرر . فان أردت الخلاص من الشيطان فقدم الاحتماء بالتقوى أولا ، ثم أردفه بدواء الذكر يفر الشيطان منك كما فر من عمر رضى اللّه عنه وهذا حال من انتهى به سلوكه وأشرقت عليه أنوار التوفيق فلبس لامة الصدق وتحلى بأسلحة العزل ودخل في حومة الحرب بين باعث الدين وداعى الهوى فكانت الغلبة لداعى الدين وفرت جيوش الشياطين ، ولذلك قال أبو حازم : ما الشيطان حتى يهاب فو اللّه لقد أطيع فما نفع ، وعصى فما ضر . وقال بعضهم لولا أن الحقّ سبحانه أمرنا بالاستعاذة منه ما استعذت منه لحقارته ، وهذا شأن المتقين ( قلت : والذي عندي أن الطريق العدل الجامع في أمره ) أي الشيطان : أي دفعه ( أن تجمع بين الطريقين ) وهما الاستعاذة والمجاهدة ( فتستعيذ باللّه تعالى أولا من شره ) أي الشيطان ( كما أمرنا ) اللّه تعالى بقوله« فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ »( وهو ) تعالى ( الكافي ) والمانع ( شره ) أي اللعين ( ثم إن رأيناه يتغلب علينا علمنا ) علما يقينا ( أنه ) أي الشيطان اللعين ( ابتلاء من اللّه تعالى ليري ) تعالى ( صدق مجاهدتنا ) أي لذلك الشيطان ( وقوتنا في أمره سبحانه وتعالى ) بالمجاهدة ( ويرى صبرنا ، كما أنه ) تعالى ( سلط ) أي جعل القهر ( علينا الكفار مع قدرته ) تعالى ( علي كفاية أمرهم وشرهم ) وذلك ( ليكون لنا حظ ) أي نصيب ( من الجهاد والصبر والتمحيص ) أي التخليص من الذنوب ، وفي الخازن : وأصل المحص في اللغة التنقية والإزالة . وفي القاموس : ومحص الذهب بالنار من باب منع أخلصه مما يشوبه ، والتمحيص الابتلاء والاختبار ( والشهادة ) في سبيل اللّه ( كما قال تعالى :وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ *) علم ظهور : أي علم وجود : أي علما متعلقا بالوجود الخارجي ؟ والمراد الظهور : أي ليظهر لنا المؤمن من غيره وإلا فعلمه متعلق أزلا بكل شئ ( الذين آمنوا ) أي أخلصوا في إيمانهم من غيرهم ( ويتخذ ) سبحانه وتعالى ( منكم شهداء ) أي يكرمهم بالشهادة في سبيل اللّه ( وقال تعالى :أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا *) أي لم ( يعلم اللّه ) علم ظهور وهو الذي يتعلق به الثواب والعقاب كما علمه غيبا وله نظائر كثيرة في القرآن وإنما لم يحمل الكلام على حقيقته لدلالته على أن العلم يحصل بعد الفعل ، وعلم اللّه تعالى