تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 287

مساهمون:

ص٢٨٧
ولقد صدق يحيى بن معاذ الرّازى حيث قال : الشّيطان فارغ وأنت مشغول والشّيطان يراك وأنت لا تراه وأنت تنساه وهو لا ينساك ومن نفسك للشّيطان عليك أعوان ، فإذن لا بدّ من محاربته وقهره وإلّا فلا تأمن الفساد والهلاك . فإن قلت فبأىّ شئ أحارب الشّيطان وبأىّ شئ أقهره وأدفعه ؟ فاعلم أنّ لأهل هذه الصّناعة في هذه المسئلة طريقين : أحدهما ما قال بعضهم : إنّ التّدبير في دفع الشّيطان الاستعاذة باللّه سبحانه لا غير
شرح
الشيطان إلى القلب ولو أردت استقصاء جميعها على سبيل الإحاطة لم أقدر عليه . وفي هذا القدر الذي ذكر ما ينبه على غيره فليس في الآدمي صفة مذمومة إلا وهي سلاح الشيطان يقاتل به المؤمن ومدخل من مداخله إلى القلب ( ولقد صدق يحيى بن معاذ الرازي ) الواعظ نسيج وحده في وقته له لسان في الرجاء خصوصا وكلام في المعرفة ، خرج إلي بلخ وأقام بها مدة ورجع إلى نيسابور ومات بها سنة ثمان وخمسين ومائتين رحمه اللّه تعالى ( حيث قال : الشيطان فارغ ) عن الشواغل فلا يشغله إلا أن يهلكك ( وأنت مشغول ) بأنواع المشاغيل إما دنيوية أو أخروية ( والشيطان يراك وأنت لا تراه ) لكونه يجرى مجارى الدم ( وأنت تنساه ) أي الشيطان ( وهو لا ينساك ) بمنع الخير وإيقاع الشر عليك ( ومن نفسك للشيطان عليك ) أي على إفسادك ( أعوان ، فإذن ) أي إذا نظرت لقول ابن معاذ الرازي رحمه اللّه ( لا بد من محاربته ) أي الشيطان ( وقهره وإلا ) تحاربه وتقهره ( فلا تأمن الفساد والهلاك ) منه ( فإن قلت فبأي شئ أحارب الشيطان ) وأجاهده ( وبأي شئ أقهره وأدفعه فاعلم أن لأهل هذه الصناعة ) من الطائفة الصوفية ( في هذه المسئلة ) أي مسئلة محاربة الشيطان ودفعه ( طريقين : أحدهما ما قال بعضهم : إن التدبير ) والحيلة ( في دفع الشيطان الاستعاذة ) أي طلب التحصن والتحفظ منه ( باللّه سبحانه لا غير ) بالضم : أي غير الاستعاذة ودليل ذلك قوله تعالى« فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ »أي اطلب اللجأ إلى اللّه تعالى من شره . وقال أبو هريرة رضى اللّه عنه : « التقى شيطان المؤمن وشيطان الكافر ، فإذا شيطان الكافر دهين سمين كأس ، وشيطان المؤمن مهزول : أي نحيف البدن أشعث أغبر عار ، فقال شيطان الكافر لشيطان المؤمن مالك مهزول ؟ قال أنا مع رجل إذا أكل سمي اللّه تعالى على أكله فأظل جائعا ، وإذا شرب سمى اللّه تعالى علي شربه فأظل عطشانا ، وإذا لبس سمى اللّه تعالى على لباسه فأظل عريانا ، وإذا ادهن سمى اللّه تعالى عند ادهانه فأظل شعثا ، فقال شيطان الكافر ، لكني مع رجل لا يفعل شيئا من ذلك فأنا أشاركه في طعامه وشرابه ولباسه وادهانه » فقد روى مسلم من حديث جابر « إن الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضره عند طعامه ، فإذا سقطت من أحدكم اللقمة فملط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها ولا يدعها