شرح
ما لم يذكر اسم اللّه عليه . قال اجعل لي شرابا . قال كل مسكر . قال اجعل لي مؤذنا قال : المزامير :
قال اجعل لي قرآنا قال : الشعر . قال اجعل لي كتابا : قال الوشم . قال اجعل لي حديثا قال :
الكذب . قال اجعل لي مكايد قال : النساء فهن حبائل الشيطان » كما رواه أبو نعيم في الحلية من حديث عبد الرحمن بن عابس . ومن عظيم حيل الشيطان أن يشغل الإنسان عن نفسه بالاختلافات الواقعة بين الناس في المذاهب والخصومة . قال عبد اللّه بن مسعود رضى اللّه عنه :
جلس قوم يذكرون اللّه تعالى فأتاهم الشيطان ليقيمهم عن مجلسهم ويفرق بينهم فلم يستطع لقوّة حالهم في الذكر ، فأتى رفقة أخرى بالقرب من ذلك المجلس يتحدثون بحديث الدنيا فأفسد بينهم فقاموا يقتتلون ، وليس إياهم يريد ، وإنما يريد تفرقة أولئك القوم الذين يذكرون اللّه ، فقام الذين يذكرون اللّه فاشتغلوا يفصلون بينهم ويصالحونهم فتفرقوا عن مجلسهم وتركوا ذكر اللّه تعالى وذلك مراد الشيطان منهم .
ومن أبوابه العظيمة حمل العوام الذين لم يمارسوا العلم ولم يزاولوا فيه بالتعلم وبالدراسة والانكباب على الهيئة المعهودة ولم يتبحروا فيه بالغوص على مشكلاته على التفكر في ذات اللّه تعالى وصفاته وفي أمور لا يبلغها حدّ عقولهم حتى يوقعهم في الشك في أصل الدين أو يخيل إليهم في اللّه تعالى خيالات وظنونات يتعالى اللّه عنها ويجل شأنه عن نسبتها إليه يصير بها كافرا أو مبتدعا وهو به فرح مسرور مبتهج بما وقع في صدره يظن ذلك هو المعرفة والبصيرة وأنه انكشف له ذلك بذكائه وزيادة عقله ، فأشد الناس حماقة أقواهم اعتقادا في عقل نفسه إعجابا به ، وأثبت الناس عقلا أشدهم اتهاما لنفسه وأكثرهم سؤالا من العلماء . قالت عائشة رضى اللّه عنها قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « إن الشيطان يأتي أحدكم فيقول : من خلقك ؟ فيقول اللّه تبارك وتعالى ، فيقول فمن خلق اللّه ؟ فإذا وجد أحدكم ذلك فليقل آمنت باللّه ورسوله » أي فليقل أخالف عدو اللّه المعاند وأومن باللّه وبما جاء به رسول اللّه ، فان ذلك يذهب عنه ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم لم يأمر بالبحث في علاج هذا الوسواس من الشيطان فإن هذا وسواس يجده عوامّ الناس دون العلماء العارفين بنور البصيرة وقد استقر الايمان في قلوبهم فلا يتزلزلون ، وإنما حقّ العوام أن يصدقوا بقلوبهم وينقادوا لأمور الدين ، ويشتغلوا بعبادتهم الظاهرة ومعايشهم ، ويتركوا العلم والغوص في معانيه للعلماء الصادقين ، فالعامي لو يزنى ويسرق كان خيرا له من أن يتكلم في العلم فإنه من تكلم في اللّه وفي دينه من غير إتقان العلم وذلك بمعرفة حججه وبراهينه مع مساعدة تأييد اللّه تعالى وشهود نور اليقين وقع في الكفر من حيث لا يدرى كمن يركب لجة البحر وهو لا يعرف السباحة ، ومن ذلك قول سهل التستري : إفشاء الربوبية كفر فإن العوام إذا ورد على أسماعهم ما تنبو عنه طباعهم لم يقبلوه وصاروا أعداء ما جهلوه ؛ فالأولى أن لا يخاطبوا بمثل ذلك صيانة لهم عن الزيغ والوقوع في الكفر ومكايد الشيطان فيما يتعلق بالعقائد والمذاهب والأهواء والآراء لا تحصر ، وإنما أردنا بما أوردناه المثال لينبه على ما وراءه . فهذه المذكورات بعض مداخل