شرح
فقال هذا حادث قد حدث الزموا مكانكم حتى آتيكم بخبره ، فطار حتى أتى خافقي الأرض فلم يجد شيئا ، ثم وجد عيسى عليه السّلام قد ولد وإذا بالملائكة حافين به ، فرجع إليهم فقال : إن نبيا قد ولد البارحة ما حملت أنثى قط ولا وضعت إلا وأنا حاضرها إلا هذا فأيسوا طمعكم من أن تعبد الأصنام بعد هذه الليلة ، ولكن ائتوا بني آدم من قبل العجلة والخفة : أي فلم يكن لكم مدخل فيهم إلا من هذا الباب فقط . قال العلامة الزبيدي : وقد حمي اللّه عيسى عليه السّلام من حضور الشيطان عند ولادته والطعن في خاصرته كما ثبت ذلك في الأخبار الصحيحة ، فقد روى أحمد وابن أبي شيبة ومسلم من حديث أبي هريرة « ما من مولود يولد إلا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسة الشيطان إلا ابن مريم وأمه » : وعند ابن جرير « ما من مولود إلا وقد عصره الشيطان عصرة أو عصرتين إلا عيسى بن مريم ومريم » .
ومن أبوابه العظيمة : الدراهم والدنانير وسائر أصناف الأموال من العروض والدواب والعقار فكل ما يزيد على قدر القوت والحاجة فهو مستقر الشيطان ، فان من معه قوته فهو فارغ القلب عن هم المعيشة ، فلو وجد مائة دينار مثلا على طريق انبعث من قلبه عشر شهوات تحتاج كل شهوة منها إلى مائة دينار أخرى فلا يكفيه ما وجد بل يحتاج إلى تسعمائة أخرى وقد كان قبل وجود المائة مستغنيا فالآن لما وجد مائة ظن أنه صار بها غنيا ، وقد صار محتاجا إلى تسعمائة ليشترى من بعضها دارا يعمرها ويشترى من البعض جارية يتسراها ويشترى من البعض أثاث البيت من فرش وذخيرة ويشترى من البعض الثياب الفاخرة لنفسه وكل شئ من ذلك يستدعى أشياء أخرى تليق به مما لا يفي به ذلك المال ، وذلك لا آخر له فيقع في هاوية آخرها عمق جهنم فلا آخر له سواه .
ومن أبوابه العظيمة : البخل . وخوف الفقر ، فإن ذلك هو الذي يمنع الإنسان من الانفاق في سبيل اللّه ومن التصدق على المستحقين ويدعو إلى الإدخار والكنز والعذاب الأليم وهو الموعود للمكاثرين كما نطق به القرآن العزيز« وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ». وقال خيثمة بن عبد الرحمن : إن الشيطان يقول ما غلبني ابن آدم غلبة فلن يغلبني على ثلاث : أن آمره أن يأخذ المال من غير حقه وإنفاقه في غير حقه ومنعه من حقه .
وقال سفيان الثوري : ليس للشيطان سلاح يقاتل به ابن آدم مثل خوف الفقر ، فإذا قبل ذلك منه أخذ في الباطل ومنع من الحق وتكلم بالهوى وظن بربه ظن السوء ، وإليه الإشارة بقوله تعالى« الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ ».
ومن آفات البخل الحرص على ملازمة الأسواق لجمع المال والأسواق هي معشش الشياطين :
أي مجمعهم الذي يلازمونه ويركزون فيها راياتهم . وروى أبو أمامة الباهلي رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « إن إبليس لما نزل إلى الأرض قال يا رب أنزلتنى إلى الأرض وجعلتني رحيما فاجعل لي بيتا ، قال الحمام : أي فهو يسكن فيه دائما إذ هو محل كشف العورات قال اجعل لي مجلسا أجلس فيه . قال الأسواق ومجامع الطرق . قال اجعل لي طعاما : قال طعامك