تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 283

مساهمون:

ص٢٨٣
شرح
باللّه واليقين ، وجند الشيطان الجهل والطمع وحب الدنيا ، ومهما غضب الإنسان لعب الشيطان به كما يلعب الصبى بالكرة يدحرجه كيف يشاء ، كما روى في الإسرائيليات أن موسى عليه السّلام لقيه إبليس فقال : يا موسى أنت الذي اصطفاك اللّه برسالته وكلمك تكليما ، وأنا خلق من خلق اللّه أذنبت وأريد أن أتوب فاشفع لي إلى ربى أن يتوب علىّ ، فقال له موسى نعم ، فدعا موسى ربه عز وجل ، فأوحى اللّه تعالى إلى موسى : يا موسى قد قضيت حاجتك مره أن يسجد لقبر آدم حتى يتاب عليه ، فلقى موسى إبليس فقال له : قد قضيت حاجتك أمرت أن تسجد لقبر آدم حتى يتاب عليه . فغضب إبليس واستكبر وقال : لم أسجد له حيا أأسجد له ميتا ؟ ثم قال يا موسى إن لك علىّ حقا بما شفعت لي إلى ربك فاذكرني عند ثلاث لا أهلكك فيهن : اذكرني حين تغضب ، فإن روحي في قلبك ، وعيني في عينك ، وأجري منك مجرى الدم ، واذكرني حين تلقى الزحف فإني آتى ابن آدم حين يلقى الزحف فأذكره زوجته وولده وأهله حتى يولى ظهره ، وإياك أن تجلس إلى امرأة ليست بذات محرم فأنا رسولها إليك ورسولك إليها ، فقد أشار إبليس بهذا إلى الشهوة والغضب والحرص ، فإن الفرار من الزحف حرص على الدنيا ، وامتناعه من السجود لآدم ميتا هو الحسد وهو أعظم مداخله . وقد ذكر في بعض الكتب : أن بعض الأولياء قال لإبليس أرني كيف تغلب ابن آدم ؟ فقال آخذه عند الغضب وعند الهوى : أي ميل النفس إلى أمر دنيوي ، فقد حكى : أن إبليس ظهر لراهب من رهبان بني إسرائيل ، فقال له الراهب : أي أخلاق بني آدم أعون لك ؟ قال الحدة : وهي التسرع في الغضب ، فإن العبد إذا كان حديدا في غضبه قلبناه كما يقلب الصبيان الكرة . وقيل إن الشيطان يقول كيف يغلبني ابن آدم وإذا رضى جئت حتى أكون في قلبه ، وإذا غضب طرت حتى أكون في رأسه ، وابن آدم لا يخلو من تينك الحالتين ، وهو فيهما ملازم له يعده ويمنيه ويراه من حيث لا يراه فكيف يغلبه ؟ . ومن أبوابه العظيمة : الحسد والحرص ، فمهما كان العبد حريصا على كل شئ أعماه حرصه وأصمه ، إذ قال صلّى اللّه عليه وسلّم « حبك للشى يعمى ويصم » رواه أبو داود من حديث أبي الدرداء ، ونور البصيرة هو الذي يعرف مداخل الشيطان ، فإذا غطاه الحسد والحرص لم يبصر فحينئذ يجد الشيطان فرصة ، فيحسن ويزين عند الحريص كل ما يوصله إلى شهوته وإن كان منكرا وفاحشا ، لكنه موافق لما تشتهيه نفسه . ومن أبوابه العظيمة : الشبع من الطعام وإن كان حلالا صافيا لا شبهة فيه ، فان الشبع يقوى الشهوات والشهوات أسلحة الشيطان . فقد روى أن إبليس ظهر ليحيى بن زكريا عليهما السّلام فرأى عليه معاليق من كل شئ ، فقال له يا إبليس ما هذه المعاليق ؟ قال هذه الشهوات التي أصبت بها ابن آدم ، فقال فهل لي فيها من شئ ؟ قال ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة وعن الذكر . قال فهل غير ذلك ؟ قال لا . قال : للّه على أن لا أملأ بطني من الطعام