تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 25

مساهمون:

ص٢٥

[ عزّ من يقصد طريق العبادة لوعورته ]

فلذلك عزّ من يقصد هذا الطّريق وقلّ ثمّ عزّ من القاصدين من يسلكه ثمّ عزّ من السّالكين من يصل إلى المقصود ويظفر بالمطلوب ، وهم الأعزّة الّذين اصطفاهم اللّه عزّ وجلّ لمعرفته ومحبّته وسدّدهم بتوفيقه وعصمته ، ثمّ أوصلهم بفضله إلى رضوانه وجنّته . فنسأله جلّ ذكره أن يجعلكم وإيّانا من أولئك الفائزين برحمته .
شرح
لذلك كما قاله الزبيدي ، والمراد هنا المشقة المترتبة على هذا الأمر العظيم ( فلذلك ) أي المذكور من صيرورة الخطب والخطر معضلا وعظيما ( عز ) أي قلّ وندر ( من يقصد هذا الطريق ) أي طريق العبادة ( وقلّ ثم عز من القاصدين من يسلكه ثم عز من السالكين ) أي السائرين في هذا الطريق ( من يصل إلى المقصود ) الذي هو القرب من اللّه تعالى والترقي إلى جوار الملأ الأعلى من الملائكة والمقربين من عباده ( ويظفر بالمطلوب ) وهي السعادة الأبدية التي لا شقاء بعدها ، واعلم أنه ليس قصد المصنف رحمه اللّه بتلك العبارة التنفير من مجاهدة النفس ، بل هي مأمور بها ممدوح عليها ، سلك أو لم يسلك ، لقوله تعالى« وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى »وإنما المقصود زيادة التحريض على تلك المقامات السنية كما نبه عليه الطحاوي في شرح الخريدة ( وهم ) أي الواصلون ( الأعزة ) جمع عزيز ( الذين اصطفاهم اللّه ) أي اختارهم ( عز ) أي انفرد بصفة الجلال ، أو غلب لأنه قاهر لجميع الأشياء ( وجل ) أي اتصف بالصفة الدالة على العظمة كالقدرة والإرادة ونحوهما التي لا تماثل ، وتنزه عما لا يليق به كما قاله العلامة ابن منصور الهدهدى ( لمعرفته ) الخاصة التي لا يشركهم فيها غيرهم ، وهي أعلى المطالب وأسنى المواهب ، وهي ما يقع من تجلى الحق تعالى لقلوب خواصه وتحقق أسرارهم بأحديته ، وذلك لما أفضى عليهم سبحانه من أنوار الشهود وأطلعهم عليه من مكنون الوجود فانغمسوا في بحار الأنوار وغرقوا في المعاني والأسرار . وأما معرفة اللّه العامة التي يشترك فيها الخاص والعام ، بل هي أول الواجبات على كل مكلف ، فالمراد بها معرفة وجوده تعالى وما يجب له من إثبات أمور ونفى أمور وهي المعرفة الإيمانية والبرهانية ، لا الإدراك والإحاطة لامتناعه ، فالمعرفة عامة وخاصة ، والعامة بها يخرج المكلف عن عهدة الواجب ، لكنها ليست مرادة في كلام المصنف رحمه اللّه هنا ، بل مراده الخاصة كما هو ظاهر ، فالمعرفة الأولى كرؤية نار أو موج بحر . والثانية كالاصطلاء بالنار ، والغوص في البحر : وهي ثمرة البصيرة والمكاشفة ثم المشاهدة ، وكل يحصل له منها ما كتب له كما نبه عليه الكردي ملخصا ( ومحبته ) وسيأتي معناها ( وسدّدهم ) أي أرشدهم إلى السداد : أي الصواب من القول والعمل ( بتوفيقه وعصمته ) أي حفظه عن المخالفات ( ثم أوصلهم بفضله ) أي إحسانه من غير قهر له ( إلى رضوانه وجنته ) تعالى : وهي دار الثواب في الآخرة ( فنسأله جل ذكره ) وتعالت عظمته ( أن يجعلكم وإيانا من أولئك الفائزين ) أي الناجين من عذاب اللّه ( برحمته )