ولقد أحسن من قال في هذا المعنى :
إن الفراغ إلى سلامك قادنى * ولربّما عمل الفضول الفارغ
فأنت إذا عانقت العبادة بحقّها وجدت حلاوة المناجاة فاستأنست بكتاب اللّه سبحانه واشتغلت عن الخلق واستوحشت من صحبتهم وكلامهم . وفي الخبر أنّ موسى عليه السّلام كان إذا رجع عن المناجاة يستوحش من النّاس وكان يجعل أصبعيه في أذنيه لئلّا يسمع كلامهم ، وكان كلامهم عنده في النّفور والوحشة في ذلك الوقت كأصوات الحمير ، فعليك بما قاله شيخنا رحمه اللّه :
شرح
كفر النعمة ( ولقد أحسن من قال ) شعرا من بحر الكامل ( في هذا المعنى : إن الفراغ إلى سلامك ) وفي نسخة : إلى كلامك ( قادنى * ولربما عمل الفضول ) مفعول ( الفارغ ) فاعل عمل ( فأنت إذا عانقت ) أي حصلت ( العبادة بحقها وجدت ) في قلبك ( حلاوة المناجاة ) إلى اللّه تعالى ( فاستأنست بكتاب اللّه سبحانه ) أي بقراءة كتابه فإنه كلامه منه إليه ( واشتغلت عن الخلق واستوحشت من صحبتهم ) ومعاشرتهم ( وكلامهم ، و ) ورد ( في الخبر أن موسى عليه السّلام كان إذا رجع عن المناجاة ) إلي اللّه وسماع كلامه ( يستوحش من ) صحبة ( الناس ، وكان ) عليه السّلام ( يجعل أصبعيه في أذنيه ) يسدهما ( لئلا يسمع كلامهم ) لأنه لا يستطيع ذلك ( وكان كلامهم عنده في النفور والوحشة في ذلك الوقت ) أي وقت رجوعه من المناجاة ( كأصوات الحمير ) جمع حمار : أي أصواتها المنكرة بسبب ما ذاق من اللذة التي لا يحاط بها عند سماع كلام من ليس كمثله شئ ، وقد أشرق وجهه من النور ، فما رآه أحد إلا عمى فتبرقع وبقي البرقع على وجهه إلى أن مات .
والمراد بتكليمه تعالى له عليه السّلام أنه تعالى أزال عنه الحجاب وأسمعه الكلام القديم ثم أعاد الحجاب ، وليس المراد أنه تعالى يبتدئ كلاما ثم يسكت ، لأنه لم يزل متكلما أزلا وأبدا ؛ وما رواه القضاعي من أن اللّه ناجى موسى بمائة ألف وأربعين كلمة : معناه أنه فهم معاني يعبر عنها بهذه العدة لا لتبعيض في نفس الكلام . وفي [ لباب الحكمة الإلهية ] للمصنف رحمه اللّه : كلام اللّه ليس سوى إفاضة مكنونات علمه علي من يريد إكرامه كما قال تعالى« وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ »شرفه اللّه بعزه وقربه بقدسه وأجلسه على بساط أنسه وشافهه بأجل صفاته وكلمه بعلم ذاته كما شاء كلمه وكما أراد سمع ، لا يندرج كلامه تحت الكيفية ، ولا يحتاج إلى سؤال العلمية ، ولا يوصف بالماهية والكمية ، بل كلامه كعلمه ، وعلمه كإرادته ، وإرادته كصفته ، وصفته كذاته ، وذاته أجل من التنزيه والتكبر ، وصفاته أجلى من التفسير والتفصيل ، خالق كلّ شئ وهو علي كل شئ قدير ( فعليك ) أي الزم ( بما قاله شيخنا ) أبو بكر الوراق ( رحمه اللّه ) من بحر الخفيف المجزو