تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
في عزلتك وتفرّدك عن النّاس ، ولا يعود عليك وعلى أخيك بضرر وآفة بل بخير كثير ونفع عظيم ، واللّه الموفّق . فإن قلت : فما يبعثني على العزلة عن النّاس والتّفرّد ويهوّن علىّ ذلك . فاعلم أنّ الّذى يهوّن عليك ذلك ثلاثة أمور : أحدها استغراق أوقاتك في العبادة فإنّ في العبادة شغلا وإنّ الاستئناس بالنّاس من علامات الإفلاس ، فإذا رأيت نفسك تتطلّع إلى ملاقاة النّاس وكلامهم من غير حاجة وضرورة فاعلم أنّ ذلك فضول ساقه الفراغ والبطر ،
شرح
على مقدار العدل والاحتياط والنظر اللطيف ( في عزلتك وتفردك عن الناس ولا يعود ) ما ذكر من ذلك ( عليك وعلى أخيك بضرر وآفة ، بل ) يعود ( بخير كثير ونفع عظيم ، واللّه الموفق ) للصواب ( فإن قلت فما يبعثني ) أي ما الذي يحملني ( على العزلة عن الناس والتفرد ) عنهم ( و ) ما ( يهوّن ) أي يسهل ويخفف ( على ذلك ) العزلة والانفراد ( فاعلم أن الذي يهون عليك ذلك ثلاثة أمور : أحدها استغراق ) أي استيعاب ( أوقاتك في العبادة فإن في العبادة شغلا ) شاغلا عن ملاقاة الناس ( و ) قد قيل ( إن الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس ) يقال أفلس : إذا قل ماله . وقال القشيري في الرسالة : سمعت أبا على يقول : سمع الشبلي يقول : الإفلاس الإفلاس الإفلاس . فقيل له يا أبا بكر ما الافلاس ؟ قال من علامات الافلاس الاستئناس بالناس ، ولذلك قال بعض الحكماء : إنما يستوحش الإنسان من نفسه ، وأنكرها لخلو ذاته عن الفضيلة والكمال فيكثر حينئذ ملاقاة الناس والاستئناس بهم ويطرد الوحشة بذلك عن نفسه ، فإذا كانت ذاته فاضلة كاملة طلب الوحدة والانفراد وحبب إليها الخلاء ليستعين بها على الفكرة ويستخرج العلم النافع والحكمة الإلهية ، فإذا هذه فائدة جزيلة ، ولكن في حق بعض الخواصّ ، وهم الذين كملهم اللّه بالمعارف الظاهرة ، وحلي باطنهم بالأنوار الباهرة ، ومن يتيسر له بدوام الذكر الأنس باللّه أو بدوام الفكر التحقق في معرفة اللّه أو فيما يكون وسيلة إليها فالتجرد له أفضل من كل ما يتعلق بالمخالطة والمعاشرة ، فإن غاية العبادات وثمرة المعاملات أن يموت الإنسان محبا للّه عارفا باللّه ، وإليه الإشارة في الخبر « أن تموت ولسانك رطب من ذكر اللّه » ولا محبة إلا بالأنس الحاصل بدوام الذكر القلبي ، ولا معرفة إلا بدوام الفكر الروحي وفراغ القلب من خطور خيال السوى شرط في كل واحد منهما لا يتم إلا به ولا فراغ مع المخالطة إذ ليس في الجوف قلبان ، كذا ذكره المصنف وغيره ( فإذا رأيت نفسك تتطلع ) أي تتشرف وتطلب مطلعك ومجيئك ( إلى ملاقاة الناس وكلامهم من غير حاجة ) داعية إليها ( و ) غير ( ضرورة فاعلم أن ذلك ) التطلع إلى الملاقاة والكلام بغير فائدة ( فضول ) أي ما لا يعنيك ( ساقه ) أي بعثه وحمله ( الفراغ ) من الشغل في العبادة ( والبطر ) محركة : أي