آيتين من كتاب اللّه تعالى إحداهما قوله تعالى :
أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ .
والثّانية قوله تعالى :
إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا .
وهذا أقصى التّحذير وغايته .
شرح
تفكر وتدبر ( آيتين من كتاب اللّه تعالى إحداهما قوله تعالى« أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ ») أي ألم آمركم وأوصيكم ( يا بني آدم ) على لسان رسلي . والعهد الوصية والتقدم بأمر فيه خير ومنفعة ، والمراد ههنا ما كلفهم اللّه به على ألسنة الرسل من الأوامر والنواهي . وقيل : المراد بالعهد هو السابق في عالم الذر بقوله« أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى »ولذا قال يا بني آدم( أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ )أن مفسرة لأنه تقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه ولا ناهية والفعل مجزوم بها ، والمراد بعبادة الشيطان طاعته فيما يزينه عبر عنها بالعبادة لزيادة التحذير والتنفير عنها ولوقوعها في مقابلة عبادة اللّه تعالي( إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) *أي ظاهر العداوة تعليل للمنع عن عبادته بالطاعة فيما يحمله عليه كما صرح به البيضاوي وكون عدواته : أي الشيطان بينة بالنسبة لمن أنار اللّه قلبه ، وأما غيره فهو حليف له كما ذكره الجمل عن شيخه ( و ) الآية ( الثانية قوله تعالى« إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ») بطاعة اللّه ولا تطيعوه . فقد بين اللّه تعالى أن الشيطان عدو لبنى آدم ويريد ضلالتهم ليجرهم مع نفسه إلى النار ، فالواجب على العاقل أن يجتهد في مجاهدته لكي يخلص نفسه منه فإنه عدو ظاهر للمؤمن ( وهذا ) المذكور من الآيتين ( أقصى التحذير ) لطاعة الشيطان ( وغايته ) أي التحذير وهذا مرادف لما قبله . وروت صفية بنت جحش أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم » وعن أبي صالح عن ابن عباس رضى اللّه عنهما في قوله تعالى :« قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ »يعنى سيد الناس« مَلِكِ النَّاسِ »كلهم من الجن والانس« إِلهِ النَّاسِ »يقول خالق الناس« مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ »يعنى الشيطان « الخناس » وهو الشيطان« الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ »يقول يدخل في صدور الجن كما يدخل في صدور الإنس فيوسوس في صدورهم ، فإذا ذكر اللّه خنس وخرج من صدورهم . وروى عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال « بعثت داعيا ومبلغا وليس إلي من الهداية شئ وخلق إبليس مزينا وليس إليه من الضلالة شئ » يعنى أنه يوسوس ويزين المعصية وليس بيده أكثر من ذلك . فينبغي للعبد أن يجتهد في دفع الوسوسة عن نفسه ويجتهد في مخالفة عدوه ، لأن اللّه تعالى قال« إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا »وذكر عن وهب بن منبه رحمه اللّه أنه قال . إن إبليس لقى يحيى بن زكريا عليهما السّلام ، فقال له يحيى بن زكريا : أخبرني عن طبائع ابن آدم عندكم ؟ فقال إبليس : أما صنف منهم فهو مثلك معصومون لا نقدر منهم على شئ . والصنف الثاني فهم في أيدينا كالكرة في أيدي صبيانكم وقد كفونا أنفسهم ، والصنف الثالث فهم أشد الأصناف علينا فنقبل على أحدهم حتّى ندرك منه حاجتنا ثم يفزع إلي الاستغفار فيفسد به علينا ما أدركنا منه ، فلا نحن نيأس منه