تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١

[ ما ورد في حسن الخلق من الأحاديث النبوية ]

أنّ الكون في الحصن أحوط على كلّ حال ، إذ لا يؤمن من الفلتات والاتّفاقات مع قرناء السّوء ، وإذا كان الأمر بهذه المثابة فالكون مع رجال اللّه والصّبر على مشقّة الصّحبة أولى للمرتاض وطلب الخير بكلّ حال ، وأن لا مانع للقوىّ البالغ مبلغ الاستقامة عن التّفرّد منهم ، فاعلم هذه الجملة وتأمّلها تغنم وتسلم إن شاء اللّه تعالى . فإن قيل : فما تقول في زيارة الإخوان في اللّه عزّ وجلّ : ومواصلة الأصحاب بالتّلاقى والتّذاكر . فاعلم أنّ زيارة الإخوان في اللّه عزّ وجلّ من جواهر عبادة اللّه تعالى
شرح
( أن الكون ) أي كون المريد المجتهد ثابتا ( في الحصن أحوط ) أي أشد احتياطا ( علي كل حال ) أي قويا كان أو ضعيفا ( إذ لا يؤمن ) أي هذا المريد ( من الفلتات ) جمع فلتة ، بمعنى بغتة ، وفلتات المجلس : هفواته وزلاته ، وحدث الأمر فلتة : أي فجأة من غير تردد ولا تدبر حتى كأنه افتلت سريعا . وفي نسخة : الغلتات بالغين المعجمة ، غلت يغلت غلتا : غلط ، أو الغلت في الحساب والغلط في القول ، والغلتة : اسم من الغلت ، غلتنى أغلتنى عليه اغتلاء : علاه بالشتم والضرب والقهر والغلبة . وفي نسخة أخرى : الغلبات ، كذا في سراج السالكين ( و ) من ( الاتفاقات مع قرناء السوء ، وإذا كان الأمر ) أي حال المريد المجتهد كائنا ( بهذه المثابة ) أي المرجع من كونه في الحصن أحوط ( فالكون ) أي اجتماع هذا المريد ( مع رجال اللّه والصبر على مشقة الصحبة ) والمعاشرة ( أولى ) أي أفضل ( للمرتاض ) والمجاهد ( وطالب الخير بكل حال ، وأن لا مانع للقوى البالغ مبلغ الاستقامة ) في طاعة اللّه ( عن التفرد منهم ) أي الناس . ( فاعلم هذه الجملة ) التي ذكرناها ( وتأملها ) بقلب صاف ( تغنم ) أي تربح ( وتسلم ) أي من غوائل الأعداء ومكايدهم ( إن شاء اللّه تعالى . فإن قيل : فما تقول في زيارة الإخوان في ) دين ( اللّه عز وجل ومواصلة الأصحاب بالتلاقي والتذاكر ) وأنت تقول بالعزلة والانفراد عن الناس فكيف الجمع بينهما ( فاعلم أن زيارة الإخوان في اللّه عز وجل من جواهر عبادة اللّه تعالى ) لما فيها من الألفة ، والألفة : ثمرة حسن الخلق ؛ فحسن الخلق يوجب التحاب والتآلف والتوافق ، ومهما كان المثمر محمودا كانت الثمرة محمودة ، وحسن الخلق لا تخفى في الدين فضيلته ، وهو الذي مدح اللّه سبحانه به نبيه عليه السّلام ، إذ قال - وإنك لعلى خلق عظيم - وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم « أكثر ما يدخل الناس الجنة : تقوى اللّه وحسن الخلق » رواه الترمذي والحاكم من حديث أبي هريرة . وقال أسامة بن شريك « قلنا يا رسول اللّه ما خير ما أعطى الإنسان ؟ فقال خلق حسن » . رواه ابن ماجة بإسناد صحيح . وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « بعثت لأتمم مكارم الأخلاق » رواه أحمد والبيهقي والحاكم وصححه من حديث أبي هريرة . قال الشيخ الأكبر قدس سره : معنى الحديث : أنه لما قسمت الأخلاق إلى مكارم وإلى سفساف ، وظهرت مكارم الأخلاق كلها