[ حكم المريد المجتهد مع المرتاضين ]
على عبادة اللّه تعالى ، فلا تسعك عزلة وتفرّد ، وإنما مثلهم مثل ما تسمع من زهّاد لبنان وغيرهم : أنّ منهم جماعات يتعاونون على البرّ والتّقوى ويتواصون بالحقّ والصّبر ، وأمّا إذا تغيّروا عن سيرتهم وتركوا رسومهم وأخلّوا بطريقتهم الموروثة عن أسلافهم الصّالحين فحكم هذا المجتهد المرتاض معهم كحكمه مع سائر النّاس يلزم زاويته ويكفّ لسانه ،
شرح
عون : بمعنى معين ( على عبادة اللّه تعالى فلا تسعك ) أي لا تجوز لك ( عنهم عزلة وتفرد ، وإنما مثلهم ) أي مثل هؤلاء المجتهدين في أنهم أعظم إخوان في اللّه تعالى ( مثل ما نسمع من ) حال ( زهاد لبنان ) اسم جبل بالشام ( وغيرهم ) وذلك ( أن منهم ) أي هؤلاء الزهاد ( جماعات يتعاونون ) أي يعاون بعضهم بعضا ( علي البر ) أي فعل ما أمروا به ( والتقوى ) أي بترك ما نهوا عنه ( ويتواصون ) أي يوصى بعضهم بعضا ( بالحق ) أي الأمر الثابت ، وهو كل ما حكم الشرع بصحته ولا يسوغ إنكاره ، وهو الخير كله من توحيد اللّه تعالى وطاعته ، واتباع كتبه ورسله ، والزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة ؛ كذا قاله الخطيب ( و ) يتواصون ب ( الصبر ) على الطاعة وعن المعصية .
قال العلامة الكرخي : وتخصيص هذا التواصى بالذكر مع اندراجه تحت التواصي بالحق لإبراز كمال الاعتناء به ، أو لأن الأول عبارة عن رتبة العبادة التي هي فعل ما يرضى به اللّه تعالى . والثاني عبارة عن رتبة العبودية التي هي الرضا بما فعل اللّه ، فإن المراد بالصبر ليس مجرد حبس النفس عما تتوق إليه من فعل وترك ، بل هو تلقي ما ورد منه تعالى بالقبول ، والرضا به ظاهرا وباطنا ( وأما إذا تغيروا ) أي أولئك المجتهدون والمرتاضون ( عن سيرتهم وتركوا رسومهم ) أي علاماتهم ( وأخلوا ) أي تركوا ( بطريقتهم الموروثة عن أسلافهم الصالحين ، فحكم هذا ) المريد ( المجتهد ) في العبادة ( المرتاض ) لنفسه المجاهد لها ( معهم ) أي مع أولئك المرتاضين ( كحكمه ) أي المجتهد ( مع سائر الناس ) أي باقيهم غير أولئك المذكورين ( يلزم زاويته ) أي ركن بيته أو ما بنى كهيئة المسجد كما قاله بعض المحققين ( ويكف ) أي يحبس ( لسانه ) عن الشر ، لخبر الصحيحين « فليقل خيرا أو ليصمت » . وفي هذا إشارة إلى أن جهاد النفس بقمعها عن الكلام فيما يرديها ويؤذيها أشق عليها من جهاد الكفار وإن كان هذا هو الجهاد الأصغر وذاك هو الجهاد الأكبر ، إذ منعها هواها من أجل ما اقتناه الإنسان . ومن أعظم آدابها : الصمت ، وترك الكلام فيما لا يعنى ، ومن ثم قال صلّى اللّه عليه وسلّم « من صمت نجا » . ففي الحديث الصحيح « إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان اللّه تعالى لا يلقى لها بالا يكتب له رضوانه إلى يوم القيامة ، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط اللّه تعالى لا يعلم أنها تقع حيث تقع فيكتب له فيها سخطه إلى يوم يلقاه أو قال يهوى بها في النار سبعين خريفا » . وفي الحكمة : لسانك أسدك ، إن أطلقته فرسك ، وإن أمسكته حرسك . ومن ثم كان أبو بكر رضى اللّه عنه يمسك لسانه ، ويقول : هذا الذي أوردنى الموارد