[ الكلام على النصيحة وما حال المريد مع المجتهدين المرتاضين ؟ ]
والبركة والنّصيحة فصار السّكون فيها أعدل طريق ، وأحسن حال ، وأسلم سبيل ، ولهذا الشّأن أقام أكثر العارفين بين النّاس لنفعهم لعباد اللّه تعالى في باب الدّين وقلّة أذاهم ومشاهدة الخلق لآدابهم وحسن رسومهم ليقتدوا بهم ، فإنّ لسان الحال أفصح من لسان المقال ، فصار ذلك أحسن تدبير في أمر الدّين للعلم والعبادة وأحكم رأى .
فإن قيل : فما حال المريد مع المجتهدين والمرتاضين أيصحبهم أم يعتزلهم ؟
فاعلم أنّهم إذا كانوا ثابتين على رسومهم الأولى وسيرتهم الموروثة عن سلفهم فهم أجلّ إخوان في اللّه عزّ وجلّ وأصحاب وأعوان
شرح
النسخ من العدة : أي للطاعة ( والبركة ) أي الخير الإلهى ( والنصيحة ) هي كالنصح بضم النون مصدر نصح ، وقيل : الأول اسم مصدر ، والثاني مصدر . وهي لغة : الإخلاص والتصفية ، من نصحت له القول والعمل : أخلصته ، ونصحت العسل : صفيته ، شبهوا تخليص الناصح قوله من الغش بتخليص العسل من شمعه ، أو من النصح بفتح النون : وهو الخياطة ، والمنصحة : الإبرة والنصاح بكسر النون : الخيط ، والناصح : الخياط ، شبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح وجمع شعثه بما تسده الإبرة وتضمه من خرق الثوب وخلله ، ونصحت له أفصح من نصحته .
وشرعا : إخلاص الرأي من الغش للمنصوح وإيثار مصلحته ، ومن ثم كانت هذه الكلمة مع وجازة لفظها كلمة جامعة : معناها حيازة الخير للمنصوح له ليس في كلام العرب أجمع منها ، ومن كلمة الفلاح لخيرى الدنيا والآخرة كما نبه عليه العلامة ابن حجر في شرح الأربعين ( فصار السكون ) والاجتماع ( فيها ) أي المدارس والرباطات ( أعدل طريق وأحسن حال وأسلم سبيل ولهذا الشأن ) المحمود من القدوة ونحو ذلك ( أقام أكثر العارفين ) قدس اللّه أسرارهم ( بين الناس لنفعهم ) أي العارفين ( لعباد اللّه تعالي في باب الدين وقلة أذاهم ومشاهدة الخلق لآدابهم وحسن رسومهم ) أي عاداتهم وطرقهم ( ليقتدوا ) أي الخلق ( بهم ) أي بأعمالهم وأحوالهم ( فإن لسان الحال أفصح ) أي أظهر دلالة إلى المراد ( من لسان المقال ) ولأن طباع الناس إلى المعاونة في الأعمال أميل إليها من المتابعة في الأقوال ( فصار ذلك ) أي إقامة أكثر العارفين بين الناس ( أحسن تدبير في امر الدين للعلم والعبادة ، وأحكم رأى ) أي أتقنه . ( فإن قيل : فما حال المريد مع المجتهدين ) في العبادة ( والمرتاضين ) أي الذين يروضون ويجاهدون نفوسهم لامتثال الأوامر واجتناب النواهي ( أيصحبهم أم يعتزلهم ؟ فاعلم أنهم ) أي المجتهدين والمرتاضين ( إذا كانوا ثابتين على رسومهم ) أي طرقهم ( الأولى ) أي الموروثة عن أسلافهم ( وسيرتهم ) بكسر السين مع سكون الياء بمعنى الطريقة والحالة والهيئة ( الموروثة عن سلفهم ) الصالحين ( فهم ) أي المجتهدون والمرتاضون ( أجل ) أي أعظم ( إخوان في ) طاعة ( اللّه عز وجل و ) أجل ( أصحاب وأعوان ) جمع