تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
فمن ظفر بها فقد فاز وسعد أبد الآبدين ودهر الدّاهرين ، ومن فاته ذلك خسر مع الخاسرين ، وهلك مع الهالكين ، فصار هذا الخطب إذا واللّه معضلا ، والخطر عظيما
شرح
ومن كان وقته المعصية فمقتضى الحق منه وجود الاستغفار والندم ، ومن كان وقته النعمة فسبيله الشكر وهو فرح القلب باللّه ، ومن كان وقته البلية فسبيله الرضا بالقضاء والصبر ، والرضا رضا النفس عن اللّه ، والصبر مشتق من الإصبار . وهو نصب الغرض للسهام ، وكذلك الصابر ينصب نفسه غرضا لسهام القضاء ، فان ثبت لها فهو صابر ، والصبر ثبات القلب بين يدي الرب ، هذا تفصيل قول أبى العباس قدس سره ، وهذا كله في حقوق الأوقات التي هي المعاملات الباطنة . وأما الحقوق الكائنة في الأوقات التي هي وظائف العبادة الظاهرة : من صلاة وصيام وغيرهما ، فمن فاتا شئ منها في وقته المعين أمكنه قضاؤه في وقت آخر ، إذ قد جعل له في ذلك مجال رحب ، فيستدرك فيه ما يفوته من تلك الحقوق ، كذا فرره بعض شيوخنا في هذا المقام فليتأمل فإنه مهمّ ( فمن ظفر ) أي حصل تلك الطاعة بقسميها ونال ( بها ) في الدنيا ( فقد فاز ) أي نجا من العذاب ( وسعد ) بلقاء اللّه تعالى في الجنة مع الملك الكبير والنعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول ، وإليه يرشد قوله تعالى« نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً »( أبد الآبدين ) ظرف زمان لسعد ، وفيه مبالغة في التأييد ( ودهر الداهرين ) فالأبد والدهر قيل معناهما واحد كما في المختار ، فالعطف يشبه أن يكون مرادفا ، وقول بعضهم يشبه أن يكون تفسيرا ففيه شئ . لأن عطف التفسير ضابطه أن يكون الثاني أوضح من الأول كما قاله العلامة يوسف في حواشي العشماوية ، مع أن الأول هنا أوضح من الثاني فليتأمل ( ومن فاته ذلك ) أي المذكور من الطاعة كما مر فقد ( خسر ) بالبعد من اللّه تعالى مع الأنكال والأغلال والعذاب الأليم في دركات الجحيم كما أشار اليه قوله تعالى« إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً »( مع الخاسرين ) وهم المغرورون بالدنيا والشيطان الذين يفرحون كل يوم بزيادة أموالهم مع نقصان أعمارهم ( وهلك مع الهالكين ) في النار كذلك ، أي أبد الآبدين ودهر الداهرين ( فضار هذا الخطب ) وهو العظيم من الأمور كما قاله الزبيدي ، والمراد هنا الاشتغال بأعمال الآخرة والإعراض عن أعمال الدنيا كما في سراج السالكين ( إذن ) أي إذا كان العبد ضعيفا وإذا هنا بالتنوين عوضا من لفظ الجملة المضاف إليها كقوله تعالى« وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ »وإلحاقا بإذ في جواز ذلك كما ذكره العلامة الصبان في حواشي الأشمونى عن الكافيجى ، وفيه أقوال كثيرة كما هو مقرر في محله ( واللّه ) العظيم ، ولفظ الجلالة يجر بواو القسم ( معضلا ) بفتح الضاد وكسرها ، أي أمرا شاقا لا يهتدى لوجهه كما في المختار ( و ) صار ( الخطر ) في هذا الأمر ، أي أمر العبادة ( عظيما ) الخطر بفتح الخاء والطاء في الأصل : الاشراف على الهلاك وخوف التلف قالوا هو على خطر عظيم ، ثم سمى كل أمر عظيم خطرا
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 24 | السيد احمد بن زيني دحلان