[ أحسن ما قيل في تعريف التصوف ]
ربّك ذا أنس ، ومن النّاس وحشيّا . فإن قيل فما تقول في مدارس علماء الآخرة ورباطات الصّوفيّة سالكى طريق الآخرة والسّكون فيها . فاعلم أنّ تلك الطّريقة المثلى في هذا الشّأن لعامّة أهل العلم والاجتهاد ، وذلك لأنّها جمعت المعنيين والفائدتين اللّتين إحداهما العزلة عن النّاس والتّفرّد عنهم بالصّحبة والمخالطة والمزاحمة في أمورهم ، والثّانية المشاركة معهم في جمعهم وجماعاتهم وتكثير شعائر الإسلام فتحصل السّلامة الّتى هي للمنفردين والخير الكثير الّذى هو لعامّة المسلمين مع ما للنّاس فيهم من القدوة ،
شرح
ربك ذا أنس ، و ) كن ( من الناس وحشيا ) أي منقطعا وبعيدا بالقلب عن مودّاتهم ( فان قيل : فما تقول في مدارس علماء الآخرة ، ورباطات الصوفية ) أي المواضع التي تبنى للذين هم متلبسون بالتصوف . قال الزبيدي : وأحسن ما قيل في تعريف التصوف : الوقوف مع الآداب الشرعية ظاهرا فيرى حكمها من الظاهر في الباطن وباطنا فيرى حكمها من الباطن في الظاهر .
قال الشيخ أبو نعيم في أول الحلية : فأما التصوف فاشتقاقه عند أهل الإشارات من الصفاء والوفاء والقناء ، واشتقاقه من حيث الحق التي أوجبت اللغة ، فإنه عن أحد أربعة أشياء من الصوفانة :
وهي بغلة زغباء قصيرة ، أو من صوفة : وهي قبيلة كانت في الدهر الأول تجيز الحاج وتخدم الكعبة أو من صوفة القفا : وهي الشعرات النابتة في مؤخره ، أو من الصوف المعروف على ظهور الضأن ثم أطال في تقرير كل ذلك بدلائله وحججه . وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب [ الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان ] هذه الأقوال كلها ؛ ورجح قول من قال : إنه منسوب إلى صوفة : اسم قبيلة ، ورد بقية الأوجه ( سالكى طريق الآخرة ) أي سائرين لها ، وتحذف نون الجمع للإضافة كما تحذف نون التثنية ، لذلك قال الحريري :وتحذف النونان للإضافة * نحو لقيت ساكنى الرصافة( و ) ما تقول في ( السكون فيها ) أي في المدارس والرباطات ( فاعلم أن تلك ) المدارس والرباطات مع السكون فيهما ( الطريقة المثلى ) أي الفضلى ( في هذا الشأن ) أي شأن العزلة ( لعامة أهل العلم ) أي لكثرتهم ( و ) أهل ( الاجتهاد ) في العبادة ( وذلك ) أي أفضلية هذه الطريقة ( لأنها ) أي الطريقة ( جمعت المعنيين والفائدتين اللتين إحداهما : العزلة عن الناس ) أي عن أكثرهم غير من ذكر من علماء الآخرة والصوفية ( والتفرد عنهم بالصحبة والمخالطة والمزاحمة في أمورهم . و ) الفائدة ( الثانية المشاركة معهم ) أي علماء الآخرة ( في جمعهم ) جمع جمعة ( وجماعاتهم وتكثير شعائر الإسلام ، فتحصل السلامة التي هي للمنفردين ، و ) يحصل ( الخير الكثير الذي هو لعامة ) أي كثرة ( المسلمين مع ما ) يحصل ( للناس فيهم ) أي علماء الآخرة ( من القدوة ) . وفي أكثر