أنهم يحضرون جموع الإسلام أينما كانت ، ويسيرون من الأرض حيث شاءوا ، وأنّ الأرض لهم قدم واحد . وفي الأخبار أنّ الأرض تطوى لهم وينادون بالتّحيّات ويتحفون بأنواع البرّ والكرامات ، فهنيئا بما ظفروا به ، وأحسن اللّه عزاء من غفل عن النّظر في خلاص نفسه وأعان الطّالب الّذى لم يصل إلى المقصود أمثالنا ، ولقد عرض لي في صفة حالي أبيات من الشّعر ، وهي :
ظفر الطّالبون واتّصل الوصل * وفاز الأحباب بالأحباب
وبقينا مذبذبين حيارى * بين حدّ الوصال والاجتناب
شرح
أكابر البشر أو الملائكة ، معناه : أنهم يتقلبون في المعارف الإلهية بدل ذلك الشخص ، إذ كانت واردات العلوم الإلهية إنما ترد على القلوب ، فكل علم يرد على قلب ذلك الكبير من ملك أو رسول يرد على هذه القلوب التي هي على قلبه ، وربما يقول بعضهم : فلان على قدم فلان ، ومعناه ما ذكر ، واللّه أعلم .
وهذا مراد العلامة الحفنى بقوله : ومعنى كون الولىّ على قلب نبىّ أن نور ولاية النبي الذي كان ينزل عليه ينزل على قلب ذلك الولي : أي الأسرار التي تنزل على ذلك النبي تنزل على قلب الولي وإن اختلفت كيفا ، وهو معنى قولهم في سيدي أحمد البدوي عيسوى ، وأما ما اشتهر من أن معنى عيسوى أنه كلما قدم الزمن زاد المدد فليس مرادا وإن كان صحيحا في نفسه ، وبهذا تعلم معنى قول أهل التصوف : فلان مقامه محمدي ، وفلان عيسوى إلى آخره ، والمقام الأحمدي أعلى من المحمدي كما هو مبسوط في كتب القوم يعرفه أهله سواء أظهروه أم كتموه ( أنهم ) أي الأبدال ( يحضرون جموع الاسلام أينما كانت ) أي في أي ناحية كانت من مشارق الأرض أو مغاربها ( ويسيرون من الأرض حيث شاءوا وأن الأرض لهم قدم واحد ، و ) روى ( في الأخبار : أن الأرض تطوى لهم وينادون ) أي ينادى بعضهم بعضا ( بالتحيات ) جمع تحية ، وهي ما يحيا به من قول أو فعل ، والمراد : يسلم بعضهم علي بعض ( ويتحفون ) أي يعطون تحفة وهدية من اللّه تعالى ( بأنواع البر والكرامات فهنيئا ) أي فهنأهم اللّه هنيئا ( بما ظفروا ) أي فازوا ( به ) أي من أنواع الكرامات ، والقرب من رب الأرض والسماوات ( وأحسن اللّه ) جملة دعائية كما قرره بعضهم ( عزاء ) أي صبر ( من غفل عن النظر ) أي التفكر والتأمل ( في ) أسباب ( خلاص نفسه ، و ) من ( أعان الطالب الذي لم يصل إلى المقصود ) وذلك ( كأمثالنا ) وهذا تواضع من المصنف رحمه اللّه كما هو ظاهر ( ولقد عرض لي ) بالبناء للمفعول ( في ) بيان ( صفة حالي أبيات من الشعر ) الموزون ببحر الخفيف ( وهي ) أي الأبيات ( ظفر الطالبون واتصل الوصل ) وهذا مدور نصفه الصاد : أي لقاء اللّه الملك الرحمن ( وفاز الأحباب بالأحباب . وبقينا مذبذبين ) أي مترددين بين أمرين ( حيارى ) جمع حيران ( بين حد الوصال ) إلى اللّه تعالى ( والاجتناب )