تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
فيه ، فالعزلة أولى لما في الخلطة من الفساد والآفات ، وينبغي له أن لا ينقطع من جموع الإسلام والخيرات العامّة ، وإن أراد أن ينفرد عن النّاس بمرّة فليسكن بشاهق جبل أو بطن فلاة لصلاح يراه في دينه . ثمّ قلت : ولا أرى مثل هذا الرّجل أينما كان إلّا ويمكّنه اللّه عزّ وجلّ من حضور الجماعات والجمعات وسائر جموع الإسلام ، فيحضر لئلّا يفوته الحظّ منها أيضا ، فإنّ جموع الإسلام من اللّه تعالى بمكان وإن تغيّر النّاس وفسدوا ،
شرح
والتفرد عن الناس ( فيه ) أي في ذلك الزمان ( فالعزلة أولى ) أي أفضل في حقه ( لما في الخلطة ) والصحبة ( من الفساد والآفات ، وينبغي له ) أي الرجل البصير ( أن لا ينقطع من جموع الإسلام والخيرات العامة ، وإن أراد ) الرجل المذكور ( أن ينفرد عن الناس بمرة ) أي بالكلية بأن لا يخالطهم في جموع الإسلام والخيرات العامة ( فليسكن بشاهق جبل ) أي رأسه ومرتفعه ( أو بطن فلاة ) أي صحراء ( لصلاح يراه ) أي يعتقد الرجل ما يصلحه ( في دينه ) وعلى هذا اعتزل جماعة من السلف حتى سكن بعضهم في الجبل كما روى عن بعض الصالحين أنه قال : بينما أنا أسير في بعض بلاد الشام إذ أنا بعابد من العباد خارج من بعض مغارات تلك الجبال ، فلما نظر إلىّ تنحى والتجأ إلى أصل شجرة وتستر به فقلت سبحان اللّه ! تبخل على بالنظر إليك ؟ فقال يا هذا عذرى أنى أقمت في هذا الجبل دهرا طويلا أعالج قلبي في الصبر عن الدنيا وأهلها فطال في ذلك تعبى وفنى فيه عمرى ولم أحصل ذلك ، فسألت اللّه عز وجل أن لا يجعل حظى من أيامى الباقية في مجاهدة قلبي ، فسكنه اللّه عز وجل عن الاضطراب والقلق وألفه الوحدة والانفراد ، فلما نظرت إليك خفت أن أقع في الأمر الأول وهو الخلطة ، فإليك عنى فإني أعوذ من شرك بربّ العالمين وحبيب القانتين ؛ ثم صاح وقال : واغماه من طول المكث في الدنيا ، ثم حوّل وجهه عنى ثم نفض يديه وقال إليك عنى يا دنيا لغيرى فتزينى وأهلك فغرى ، ثم قال سبحان من أذاق قلوب العارفين من لذّة الخدمة وحلاوة الانقطاع عن الخلق إليه ما ألهى قلوبهم عن ذكر الجنان وعن الحور الحسان وجمع همهم في ذكره فلا شئ ألذّ عندهم من مناجاته ، ثم تركني ومضى وهو يقول قدّوس قدّوس . قال الزبيدي : وهذا رجل قد استهلك في حبّ اللّه وتنزه عما سواه ، ونزه اللّه عما لا يليق بجلاله وكبريائه ألف بالوحدة نفورا عن الكثرة . ( ثم قلت ولا أرى مثل هذا الرجل ) البصير القوىّ المعتزل ( أينما كان ) أي في أىّ مكان وجد ( إلا ويمكنه اللّه عزّ وجلّ من حضور الجماعات والجمعات ) بضمّ الجيم وسكون الميم وفتحها جمع جمعة ( وسائر جموع الإسلام فيحضر ) أي الرجل ( لئلا يفوته الحظّ منها ) أي جموع الإسلام ( أيضا ) أي كما أنه يحضر الجماعات والجمعات فإن ( جموع الإسلام من اللّه تعالى ) أي عنده ( بمكان ) أي رتبة ومنزلة ( وإن تغير الناس وفسدوا