تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
فإن قيل : أليس النّبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « عليكم بالجماعة فإنّ يد اللّه تعالى على الجماعة ، وإنّ الشّيطان ذئب الإنسان يأخذ الشّاذّة والنّاجية والقاصية والفاذّة » وقال « إنّ الشّيطان مع الفذّ ، وهو من الاثنين أبعد » .
شرح
بين يدي خلوته لتأليف النفس قطع المألوفات من الأنس بالخلوة فإن الأنس بالخلوة من العلائق الحائلة بينه وبين مطلوبه من الأنس باللّه والانفراد به ، فإذا انتقل من العزلة بعد إحكامه شرائطها سهل عليه أمر الخلوة . هذا سبب العزلة عند خاصة أهل اللّه ، فهذه العزلة نسبة لا مقام ، والعزلة الأولى التي ذكرناها مقام مطلوب وإذا كانت مقاما فهي من المقامات المستصحبة في الدنيا والآخرة . ثم لنرجع إلى خدمة كلام المصنف رحمه اللّه تعالى . قال ( فإن قيل أليس النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : عليكم بالجماعة ) أي الزموا ما عليه جماعة أهل السنة كما في العزيزي ( فان يد اللّه تعالى ) كناية عن النصرة والغلبة أو الحفظ والرحمة ، أو معناه إحسانه وتوفيقه لاستنباط الأحكام والاطلاع علي ما كان عليه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأصحابه من الاعتقاد والعمل ( على الجماعة ) الكثيرة المجتمعة من المسلمين . قال العلامة المناوي : يعنى أن جماعة أهل الاسلام في كنف اللّه وحفظه فأقيموا في كنف اللّه بين ظهرانيهم ولا تفارقوهم وتمامه عند مخرجه « ومن شذ شذ إلى النار » : أي من خرج من السواد الأعظم في الإحلال والحرام الذي لم تختلف فيه الأمة فقد زاغ عن سبيل الهدي وذلك يؤديه إلى دخول النار . رواه الترمذي عن ابن عباس . قال العلقمى : حديث حسن ( و ) قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( إن الشيطان ذئب الانسان ) أي مفسد للانسان ومهلك له باغوائه كإفساد الذئب إذا أرسل في قطيع من الغنم ( يأخذ ) الشاة ( الشاذة ) بتشديد الذال المعجمة : أي النافرة التي لم تؤانس بأخواتها ولم تخلط بهن ( والناجية ) بالجيم : أي المنفردة عن صواحبتها وان لم تكن بعيدة كما قاله العلامة الحفنى ، وفي أكثر الروايات والنسخ بالحاء المهملة : أي التي غفل عنها وبقيت في جانب منفردة فإن الناحية هي التي صارت في ناحية من الأرض عن أخواتها لغفلتها ( والقاصية ) بصاد مهملة : أي البعيدة عن صواحباتها : أي التي قصدت البعد عنهن لأجل المرعى مثلا لا للتنفر ( والفاذة ) أي المنفردة ، وهذا تمثيل مثل حالة مفارقة الانسان الجماعة واعتزاله عنهم ، ثم تسلط الشيطان عليه بشاة منفردة عن الغنم ، ثم افتراس الذئب عنها بسبب انفرادها وانقطاعها وهذه قطعة حديث رواها أحمد والطبراني عن معاذ بن جبل بلفظ « ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : إن الشيطان ذئب الانسان كذئب الغنم يأخذ القاصية والناحية والشاردة إياكم والشعاب وعليكم بالعامة والجماعة والمساجد » . ( وقال ) صلّى اللّه عليه وسلّم ( إن الشيطان مع الفذ ) أي المنفرد ( وهو ) أي الشيطان ( من الاثنين أبعد ) وهو من الثلاثة أبعد منه من الاثنين وهكذا قاله العزيزي ، ولذا كان السفر من الاثنين أقل كراهة من السفر من للواحد كما صرح به العلامة الحفنى . رواه أحمد في مسنده والترمذي والحاكم في مستدركه عن عمر
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 255 | السيد احمد بن زيني دحلان