[ دفع تناف بين أحاديث تدل على فضل العزلة وأحاديث أخرى تدل علي فضل الخلطة بالناس ]
فاعلم أنّ هذه وردت وورد أيضا « الزم بيتك وعليك بالخاصّة ودع أمر العامّة » فأمر بالعزلة والتّفرّد في الزّمان السّوء ولا تناقض في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا بدّ من الجمع بين الخبرين بحول اللّه وتوفيقه . فأقول قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « عليكم بالجماعة » يحتمل ثلاثة أوجه : أحدهما : أنّه يعنى به في الدّين والحكم ، إذ لا تجتمع هذه الأمّة على ضلالة فخرق الإجماع والحكم بخلاف ما عليه جمهور الأمّة والشّذوذ عنهم باطل وضلال ، وإمّا أن يعتزل عنهم لصلاح في دينه فليس هذا من ذلك
شرح
ابن الخطاب . وقال العزيزي : قال الشيخ حديث صحيح ، ورواه أبو الليث في بستان العارفين بلفظ « إن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد » . ( فاعلم أن هذه ) الأحاديث المذكورة ( وردت ) عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . ( وورد أيضا ) أي كما وردت الأحاديث المذكورة ( الزم بيتك ) أي محل سكنك بيتا أو خلوة أو غيرهما فالمراد بلزومك كما قال العلامة عبد الحق التنزه عن نحو الإمارة وإيثار الانجماع والعزلة ( وعليك ) أي الزم ( بالخاصة ) أي بخاصة أمرك ( ودع ) أي اترك ( أمر العامة ) . قال العلامة عبد الحق : وهذا الحديث رواه الطبراني عن ابن عمر رضى اللّه عنهما . قال المصنف رحمه اللّه تعالي ( فأمر ) النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا الحديث ( بالعزلة والتفرد ) عن الناس ( في الزمان السوء ) أهله لعدم انقيادهم للحق ( ولا تناقض في قوله صلّى اللّه عليه وسلّم ولا بد ) لنا ( من الجمع بين ) معنى ( الخبرين ) المذكورين وهما قوله عليه الصلاة والسّلام « عليكم بالجماعة » وقوله عليه الصلاة والسّلام « الزم بيتك » ( بحول اللّه وتوفيقه فأقول ) أما ( قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : عليكم بالجماعة ) فهو ( يحتمل ثلاثة أوجه : أحدها أنه ) صلّى اللّه عليه وسلم ( يعنى ) أي يريد ( به ) أي بقوله « عليكم بالجماعة » الاجتماع ( في الدين والحكم ، إذ لا تجتمع هذه الأمة ) أي أمة الإجابة كما صرح به العزيزي ( على ضلالة ) ولهذا كان إجماعهم حجة كما روى عن أنس بن مالك « إن أمتي لن تجتمع على ضلالة ، فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم » قال العزيزي . أي الزموا جماهر المسلمين وأكثرهم فهو الحق الواجب فان من خالفهم مات ميتة جاهلية ( فخرق الإجماع ) أي مخالفة اتفاق هذه الأمة ( و ) خرق ( الحكم ) وذلك بأن يفعل ما فعله من الدين والحكم ( بخلاف ما عليه جمهور الأمة ) أي أكثرهم ( والشذوذ ) بالرفع عطف علي الخرق : أي الانفراد ( عنهم باطل وضلال ) لأنهم أبعد عن مواقعة الخطأ ( وإما أن يعتزل ) الإنسان ( عنهم لصلاح في دينه ) أي المعتزل ( فليس هذا ) أي اعتزاله لمصلحة دينه ( من ذلك ) أي خرق الإجماع ولا المخالفة لمقتضى قوله عليه الصلاة والسّلام « عليكم بالجماعة » لأن هذا المعتزل مجتمع بما عليه أهل السنة من الدين ومتدين به . وأما انفراده بجسمه لضعف هذا الرجل عن المخالطة فلا يسمى خرقا للاجماع ومخالفا له كما هو ظاهر ، وقد أجاب المصنف رحمه اللّه عن هذا الحديث