تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 253

مساهمون:

ص٢٥٣
كثير ، وباللّه التّوفيق .
شرح
( كثير وباللّه التوفيق ) والهداية إلى طريق السداد والصواب . قال الأستاذ أبو القاسم القشيري : الخلوة صفة أهل الصفوة ، والعزلة من أمارات الوصلة ولا بد للمريد في ابتداء حاله من العزلة عن أبناء جنسه ثم في نهايته التحقق بأنسه والعزلة في الحقيقة اعتزال الخصال المذمومة والتأثير لتبديل الصفات لا للتنائي عن الأوطان ، ولهذا قيل من العارف ؟ قالوا كائن بائن : يعنى كائنا مع الخلق بائنا عنهم بالسر . سمعت الأستاذ أبا على يقول : البس ما يلبسون وتناول ما يأكلون وانفرد عنهم بالسر ، وسمعته يقول : جاءني إنسان وقال جئتك من مسافة بعدة ، فقلت ليس هذا الحديث من حديث قطع المسافات ومسافات الأسفار ففارق نفسك بخطوة وقد حصل مقصودك . وقيل : الانفراد بالخلوة أجمع لدواعي السلوة ، سمعت محمد بن الحسين ، سمعت منصور بن عبد اللّه يقول : سمعت محمد بن حامد يقول : جاء رجل إلى زيارة أبى بكر الوراق فلما أراد أن يرجع قال أوصني فقال وجدت خير الدنيا والآخرة في الخلوة والقلة وشرهما في الكثرة والاختلاط . وسئل الجريري عن العزلة فقال : هي الدخول بين الزحام وتحفظ سرك أن لا يزاحموك فيه وتغزل نفسك عن الأنام ويكون سرك مربوطا بالحق . وقيل من آثر العزلة حصل له العزلة . وقال سهل : لا تصح العزلة إلا بأكل الحلال ولا يصح أكل الحلال إلا بأداء حق اللّه تعالى : وقال ذو النون لم أر شيئا أبعث في الإخلاص من الخلوة وقال أبو عبد اللّه البرمكي : ليكن خدنك الخلوة وطعامك الجوع وحديثك المناجاة فإما أن تموت بذلك أو تصل إلي اللّه تعالى . وقال ذو النون : من احتجب عن الخلق بالخلوة كمن احتجب عنهم باللّه تعالى . وقال الجنيد : مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطة . وقال مكحول : إن كان في مخالطة الناس أنس فإن في العزلة السلامة . وقال يحيى بن معاذ : الوحدة جليس الصديقين . وقال شعيب بن حرب : دخلت على مالك بن مغول بالكوفة وهو في داره وحده فقلت له ما تستوحش وحدك ؟ فقال ما كنت أرى أن أحدا يستوحش من اللّه تعالى . وقال الجنيد : من أراد أن يسلم له دينه ويستريح بدنه وقلبه فليعتزل الناس فإن هذا زمان وحشة والعاقل من اختار فيه الوحدة . وقال أبو العباس الدامغاني : أوصاني الشبلي وقال الزم الوحدة وامح اسمك عن القوم واستقبل الجدار حتى تموت . وجاء رجل إلى شعيب بن حرب ، فقال ما جاء بك قال أكون معك ، قال يا أخي العبادة لا تكون بالشركة ومن لم يأنس باللّه لم يأنس بشئ . وقيل لبعضهم ما هنا أحد تستأنس به ؟ فقال نعم ومد يده إلى مصحف في حجره وقال هذا ، وفي معناه أنشدوا :وكتبك حولى ما تفارق مضجعى * وفيها شفاء للذي أنا كلتموقال رجل لذي النون متي تصح العزلة ، فقال إذا قويت على عزلة النفس . وقيل لابن المبارك ما رواء القلب ، قال : قلة الملاقاة للناس .