تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
شرح

[ تتمة : فيما ورد عن سيدي محيي الدين بن العربي في فضل العزلة ]

( تتمة ) قال العلامة الزبيدي نقلا عن الشيخ الأكبر قدس سره في الباب الثمانين من الفتوحات في العزلة :إذا اغتزلت فلا تركن إلى أحد * ولا تعرج على أهل ولا ولد ولا توال إذا وليت منزلة * وغب عن الشرك والتوحيد بالأحد وافزع إلى طلب العلياء منفردا * بغير فكر ولا نفس ولا جسد وسابق الهمة العلياء تحظ بمن * سما بأسمائه الحسنى بلا عدد وأعلم بأنك محبوس ومكتنف * بالنور حبسا جليا لا إلى أمدفلا يعتزل إلا من عرف نفسه وكلّ من عرف نفسه عرف ربه فليس له شهود إلا اللّه من حيث أسماؤه الحسنى وتخلقه بها ظاهرا وباطنا . وأسماؤه الحسنى على قسمين : أسماء يقبلها العقل ويثبتها ويسمى بها اللّه تعالى ، وأسماء أيضا إلهية لولا ورود الشرع ما قبلها فيقبلها إيمانا ولا يعقلها من حيث ذاته إلا إن أعلمه الحق بحقيقة نسبة الأسماء إليه ، فصاحب العزلة هو الذي يعتزل بما هو له من ربه من غير تخلق ، فمن رأى التخلق بها فلا بد أن يظهر بها على الحد المشروع ، ولما رأى هذا المعتزل مزاحمة الحق في النعوت التي ينبغي أن تكون للعبد كما هي في نفس الأمر عنده قال الأليق في أن أعتزل بأسماء ولا أزاحمه فيما يكون عارية عندي ، إذ كانت العارية أمانة مؤداة فاعتزل صاحب هذا النظر التخلق بالأسماء الحسنى ، وانفرد بفقره وذله ، وعجزه وقصوره وجهله في بيته كلما قرع عليه الباب اسم إلهي قيل له ما هنا من يكلمك فإذا نقدح له بهذا الاعتزال أن اللّه أزلي الوجود فإما أن يعتزل عن الجميع وإما أن يتسمى بالجميع ، فقلنا له اعتزل عن الجميع واترك الحق إن شاء سماك بالأسماء كلها فاقبلها ولا تعترض وإن شاء سماك ببعضها وإن شاء لم يسمك ولا بواحد منها ، للّه الأمر من قبل ومن بعد ، فرجع العبد إلى خصوصيته التي هي العبودية فتحلى بها وقعد في بيته ينظر تصريف الحق فيه وهو معتزل عن التدبر في ذلك ، فإن تسمى من هذه حاله بأي اسم كان فاللّه مسميه ما تسمى وليس له رد ما سماه به ، وتلك الأسماء هي خلع الحق على عباده وهي خلع تشريف ، فمن الأدب قبولها لأنها جاءته من غير سؤال ولا استشراف ، ووقف عند ذلك على أنه كان عاصيا للّه فيما كان يزعم أنه له فإذا هو للّه وهو قوله تعالى« وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ »فأخذ منه جميع ما كان يزعم إلا العبادة فإنه لا يأخذها إذ كانت ليست بصفة له ، فقال له تعالي لما مال إليه « وإليه يرجع الأمر كله فاعبده » : وهو أصله الذي خلق لأجله ، فقال تعالى« وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ »فالعبادة اسم حقيقي فهي ذاته وموطنه وحاله وعينه ونفسه وحقيقته ووجهه ؛ فمن اعتزل هذه العزلة فهي عزلة العلماء باللّه لا هجران الخلائق ولا غلق الأبواب وملازمة البيوت وهي العزلة التي عند الناس أن يلزم الانسان بيته ولا يعاشر ولا يخالط ويطلب السلامة ما استطاع بعزلته ليسلم من الناس ويسلم الناس منه فهذا طلب عامة أهل الطريق بالعزلة ؛ ثم إن ارتقي إلى طور أعلى من هذا فيجعل عزلته رياضة وتقدمه