ولا ذمّة ولا يطلبون عالما ، ولا يرمقون مفيدا ولا يعنيهم أمر دينهم البتة ، وترى الفتنة تعمّ العامّة وتدبّ بين الخاصّة ، فللعالم العذر في العزلة والتّفرّد ودفن العلم ، وأخاف أنّ ما ذكرناه هو هذا الزّمان النّكد الصّعب ، واللّه المستعان وعليه التّكلان ، فهذا حكم العزلة والتّفرّد عن النّاس ، فافهمه فإنّ الغلط فيه عظيم ، وضرره
شرح
تعالى وكل اسم آخره أل أو إيل فمضاف إلى اللّه تعالى والرضا والأمان والجزع عند المصيبة ، ومنه ما روى « عجب ربكم من إلكم » فيمن رواه بالكسر ورواية الفتح أكثر ( ولا ) يرقبون ( ذمة ) أي عهدا كذا قيل فيكون مما كرر لاختلاف لفظه إذا قلنا إن الإل العهد أيضا فهو كقوله تعالى« أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ »وقيل الذمة الضمان يقال هو في ذمتي : أي في ضمانى وبه سمى أهل الذمة لدخولهم في ضمان المسلمين . وقال ابن عرفة : يقال له ذمة وذمام ومذمة وهي الذم . وقال الراغب : الذمام ما يذم الرجل على إضاعته من عهد ، وكذلك الذمة والمذمة يعنى بالفتح والكسر ، وقيل لي مذمة فلا تهتكها . وقال غيره سميت ذمة لأن كل حرمة يلزمك من تضييعها الذم يقال لها ذمة . وقال الأزهري : الذمة الأمان ، وفي الحديث « يسعى بذمتهم أدناهم » ( ولا يطلبون عالما ) أي لإعراضهم عنه ( ولا يرمقون ) من باب نصر : أي لا ينظرون ( مفيدا ) يستفيدون منه أمر دينهم ( ولا يعنيهم ) أي لا يهمهم بفتح أوله من عناه الأمر إذا تعلقت عنايته به ( أمر دينهم البتة ) بل يشتغلون بأغراضهم الدنيوية الشهوية من التوسع في الدنيا وطلب المناصب والرياسات وحب المحمدة والثناء والفضول في الكلام والأفعال المباحة وغير ذلك مما لا يعود عليهم منه نفع أخروي ، وهو ضياع للوقت النفيس الذي لا يمكن أن يعوض فائته فيما لم يخلقوا لأجله ، وروى الترمذي وغيره عن أبي هريرة رضى اللّه عنه أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه » وفي هذا الحديث إشارة إلى أن الشئ إما أن يعنى الإنسان أولا ، وعلى كل إما أن يتركه أو يفعله ، فالأقسام أربعة : فعل ما يعنى ، وترك مالا يعنى وهما حسنان ، وترك ما يعنى ، وفعل مالا يعنى وهما قبيحان كما أفاده العلامة ابن حجر ( وترى الفتنة تعم العامة ) أي الجهال ( وتدب ) أي تمشى ( بين الخاصة ) أي العلماء ( فللعالم ) جواب إذا ماج الفتن أي يجوز له ( العذر ) أي الاعتذار ( في العزلة والتفرد ) عن الناس ( و ) في ( دفن العلم ) أي إخفائه ( وأخاف أن ما ذكرناه ) من زمان موج الفتن واضطرابه ( هو هدا الزمان ) الحاضر ( النكد ) أي الشديد ( الصعب ) والوعر وهذا في زمان المصنف رحمه اللّه فكيف في زماننا هذا بعد القرن الثالث عشر فلا حول ولا قوة إلا باللّه ( واللّه المستعان ) على كل خير ( وعليه التكلان ) أي الاعتماد وإظهار العجز لا على غيره ( فهذا ) أي ما ذكرناه ( حكم العزلة والتفرد عن الناس فافهمه ) أي الحكم ( فإن الغلط فيه ) أي في هذا الحكم ( عظيم و ) أن ( ضرره ) أي الغلط