تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 250

مساهمون:

ص٢٥٠
وفي كلّ يوم أنت جارع غصّة * من الدّهر والإخوان والقلب طائع نهارك شغل النّاس من غير منّة * وليلك شوق غاب عنه الطّلائع فدونك هذا اللّيل خذه ذريعة * ليوم عبوس عزّ فيه الذّرائع
نعم يكون بالنّفس معهم ، والقلب ما أبعده عنهم ! وذلك لعمري أمر شديد وعيش نكد ، وفيه يقول شيخنا رحمه اللّه في وصيّته :
شرح
( وفي كل يوم أنت جارع ) أي بالع ( غصة ) أي ما تغص به ، وهذا كناية عن التكره والأذى قد نالهما ( من ) حوادث ( الدهر ) أي الزمان ( و ) من ( الاخوان والقلب طائع ) أي مطيع ( نهارك شغل ) إصلاح ( الناس من غير منة ) أي تعداد النعم بأن تقول لمن أنعمت عليه فعلت معك كذا وكذا ، لأن ذلك مذموم إلا من اللّه والشيخ والوالدين فليس مذموما ( وليلك شوق ) أي اشتياق ومحبة إلى ربك وذلك بملازمة الطاعات التي تختص بك من بين سائر الناس ( غاب عنه ) أي الشوق ( الطلائع ) أي النواظر ( فدونك هذا الليل ) قيل إنه اسم فعل أمر بمعنى خذ والكاف اللاحقة له حرف خطاب لا محل لها من الإعراب وفاعله ضمير مستتر فيه ، وهذا الليل مفعوله : أي خذ هذا الليل ، والمراد بأخذه تعاطى العبادة فيه من ذكر أو صلاة أو غير ذلك . وقيل إنه اسم فعل أمر بمعنى الزم فالكاف اللاحقة له ضمير مفعول أول لاسم الفعل والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت ، وهذا الليل مفعول ثان والتقدير ألزم نفسك هذا الليل . وقيل إنه اسم فعل ماض بمعنى لزم والكاف اللاحقة له ضمير فاعل باسم الفعل ووضع ضمير غير الرفع موضع ضمير الرفع ؛ والمعنى لزمت هذا الليل . وقيل إنه اسم فعل وضع موضع المصدر والكاف اللاحقة له في محل جر بالإضافة : أي إلزامك هذا الليل : أي ألزمك هذا الليل إلزاما منسوبا لك من حيث تعلقه بك ( خذه ) أي هذا الليل ( ذريعة ) أي وسيلة ( ليوم ) أي لهوله ( عبوس ) أي شديد : وهو يوم القيامة . قال الخازن رحمه اللّه : وصف اليوم بالعبوس مجاز في الاسناد كما يقال نهاره صائم ، والمراد أهله والمعنى تعبس فيه الوجوه من طوله وشدته ( عز ) أي قل ( فيه ) أي في ذلك اليوم ( الذرائع ) أي الوسائل وهو جمع ذريعة كما في السراج ( نعم ) جواب لمن قال هل يمكن للرجل المذكور أن يصاحب الخلق ويخالطهم بما ذكر وهو كونه منفردا عنهم بقلبه ومصاحبا لهم بجسمه ؟ قيل في جوابه نعم ( يكون بالنفس معهم والقلب ما أبعده ) فعل تعجب ( عنهم و ) لكن ( ذلك ) أي الصحبة بالصفة المذكورة ( لعمري ) أي لحياتي والقصد بهذا التأكيد لا حقيقة القسم إذ الأكابر يتحاشون عن الحلف بغير اللّه للنهي عنه ( أمر شديد وعيش ) أي معيشة ( نكد ) أي شديد العسر والضيق . قال الجريري : والنكد : الشؤم وقلة الخير ( وفيه ) أي في هذا الأمر الشديد ( يقول شيخنا ) أبو بكر الوراق ( رحمه اللّه في وصيته )