تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 23

مساهمون:

ص٢٣

[ الكلام على زيادة الأجل ونقصه ]

والفراغ قليل والشّغل كثير والعمر قصير وفي العمل تقصير ، والنّاقد بصير والأجل قريب والسّفر بعيد ، والطّاعة هي الزّاد فلا بدّ منها ، وهي فائتة فلا مردّ لها
شرح
( والفراغ ) من الشواغل ( قليل والشغل ) بما يصرف عن العبادة ( كثير والعمر ) وهو بالضم اسم لمدة عمارة البدن بالحياة ( قصير ، وفي العمل تقصير ، والناقد ) أي الرقيب ( بصير ، والأجل ) المضروب ( قريب ) جدا ، والمراد بالأجل هنا مدة حلول الموت ، لأن الأجل كما يطلق عليها يطلق على مدة العمر بتمامها ؛ فالأجل عندهم واحد لا يقبل الزيادة والنقصان . قال اللّه تعالى« فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ » *وقد دلت الأحاديث على أن كل هالك يستوفى أجله من غير تقدم عليه ولا تأخر عنه ؛ ولا يعارض هذه القواطع ما ورد أن بعض الطاعات كصلة الرحم يزيد في العمر لأنه خبر آحاد ، أو أن الزيادة فيه بحسب الخير والبركة ، أو بالنسبة لما في صحف الملائكة فقد يثبت الشئ مطلقا وهو في علم اللّه مقيد كأن يكون في صحف الملائكة أن عمر زيد خمسون مثلا مطلقا وهو في علم اللّه مقيد بأن لا يفعل كذا من الطاعات وإن فعلها فله ستون ، فان سبق في علمه تعالى أن يفعلها فلا يتخلف عن فعلها وكان عمره ستين فالزيادة بحسب الظاهر على ما في صحف الملائكة وإلا فلا بد من تحقق ما في علمه تعالى كما يشير إليه« يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ »أي أصل اللوح المحفوظ ، وهو علمه تعالى الذي لا محو فيه ولا إثبات ، وأما اللوح المحفوظ فالحق قبول ما فيه للمحو والاثبات كصحف الملائكة ، وبعضهم فسر أم الكتاب باللوح المحفوظ ، لأنه ما من كائن إلا وهو مكتوب فيه ، والراجح الأول ، كذا في تحفة المريد ( والسفر ) للآخرة ( بعيد ) لكثرة عقباته ( والطاعة ) وهي كل ما فيه رضا وتقرب إلى اللّه تعالى ( هي الزاد ) المحمول لأجله ( فلا بد منها ) أي وحيث كان الأمر كما ذكر فلا بد من الطاعة . قال الشيخ يحيى في قوله فلا بد : أصله في الاثبات بدّ الأمر فرق وتبدد تفرق وجاءت الخيل بدادا : أي متفرقة ، فإذا انتفت التفرقة والمفارقة بين شيئين حصل تلازم بينهما دائما فصار أحدهما واجبا للاخر ، ومن ثم فسروه بوجب فاعرف ذلك كذا قاله العلامة الدسوقي ( وهي ) أي الطاعة بمعنى المعاملات الباطنة التي تقتضيها أحوال العبد وواردات قلبه المتلونة عليه ( فائتة فلا مردّ ) أي فلا عودة ولا رجوع ( لها ) أي إذا فاتت لأنها حقوق الأوقات التي لا يمكن قضاؤها إذ للّه تعالى على كل عبد عند كل حال يحل به ووارد يرد عليه حق جديد وأمر أكيد ولا يسعه إلا أن يوفيه إذ ذاك ، فان فاته لم يجد مجالا لقضائه ولا يمكنه ذلك ، فعلى العبد أن يكون مراقبا لقلبه حتى يقوم بمراعاة تلك الحقوق التي لا يمكنه قضاؤها إن فاتت ، قال أبو العباس المرسى قدس سره : أوقات العبد أربعة لا خامس لها : النعمة ، والبلية ، والطاعة ، والمعصية . وللّه تعالى عليك في كل وقت سهم من العبودية يقتضيه الحق منك بحكم الربوبية . قال العلامة محمد بن إبراهيم الرندى رحمه اللّه : فمن كان وقته الطاعة فسبيله شهود المنة من اللّه عليه أن هداه لها ووفقه للقيام بها ،