تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤

[ الكلام على الحلم وفضله ]

وحلم عظيم ونظر لطيف
شرح
وتضاده حالة تسمى الجزع والهلع والحزن ، وهو إطلاق دواعي الهوى ليسترسل في رفع الصوت وضرب الخدود ولدم الصدور وشق الجيوب وغيرها مما يشاكلها وإن كان ذلك في احتمال الغنى ، فقد سمى ضبط النفس وتضاده حالة تسمى البطر . وقال بعضهم : ضبط النفس في الأشياء الملذة ، والصبر يقال في الأشياء المحزنة . وقال بعضهم : بل هما في الأسماء المترادفة على معنى واحد ، وإن كان ذلك في حرب ومقاتلة سمى شجاعة ويضاده الجبن ؛ وإن كان في كظم وهو إمساك النفس عن قضاء وطر الغضب سمي حلما ويضاده التذمر بالذال المعجمة ؛ وإن كان في بذل المال وإنفاقه سمى سخاء ويضاده التبذير ؛ وإن كان ذلك في نائبة من نوائب الزمان مضجرة : أي مقلقة سمى سعة الصدر ويضاده الضجر والتبرم وضيق الصدر وإن كان في إخفاء كلام وإمساكه في الضمير سمى كتمان السر وسمى صاحبه كتوما ويضاده الإفشاء ؛ وإن كان من فضول العيش سمى زهدا ويضاده الحرص ؛ وإن كان صبرا على قدر يسير من الحظوظ سمي قناعة ويضاده الشره ، فأكثر أخلاق الإيمان داخل في الصبر ولذلك لما سئل عليه الصلاة والسّلام مرة عن الإيمان قال هو الصبر ، لأنه أكثر أعماله وأعزها فحينئذ أقسام الصبر مختلفة باختلاف متعلقاتها ؛ ومن يأخذ المعاني من الأسامي يظن أن هذه الأحوال مختلفة في ذواتها وحقائقها من حيث رأى الأسامى مختلفة ، وهذا نظر قاصر ؛ والذي يسلك الطريق المستقيم وينظر بنور اللّه مما أفيض به على بصيرته يلحظ المعاني أوّلا فليطلع على حقائقها الأصلية ، ثم يلاحظ الأسامى فإنها وضعت دالة على المعاني ؛ فالمعانى هي الأصول والألفاظ هي التوابع ، ومن يطلب الأصول من التوابع لا بد وأن يزل قدمه ، وإلى الفريقين الإشارة بقوله تعالى :« أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا »يعثر كل ساعة ويخر« عَلى وَجْهِهِ أَهْدى »لوعرة طريقه واختلاف أجزائه ، ولذلك قابله بقبوله« أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا »قائما سالما من العثار« عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ » *مستوى الأجزاء والجهة ، فإن الكفار لم يغلطوا فيما غلطوا فيه إلا بمثل هذه الانعكاسات فكان سببا لعثارهم ، نسأل اللّه حسن التوفيق بكرمه ولطفه آمين ( وحلم ) بكسر الحاء : أي ضبط النفس عند هيجان الغضب كما يأتي ( عظيم ونظر لطيف ) أي رفيق بالناس . واعلم أن الحلم أفضل من كظم الغيظ ، لأن كظم الغيظ عبارة عن التحلم : أي تكلف الحلم ، لأن صيغة التفعل في الأكثر للتكلف ولا يحتاج إلى كظم الغيظ إلا من هاج غيظه ويحتاج في دفعه إلى مجاهدة شديدة ورياضة بليغة ، ولكن إذا تعوّد ذلك مدة صار ذلك اعتيادا فلا يهيج الغيظ بقوة ، وإن هاج يوما فلا يكون في كظمه تعب لخفة وطأته وهو الحلم الطبيعي ، ولذا عبر عنه بعضهم بأنه الطمأنينة عند سورة الغضب ، ومنهم من قال هو ضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب ، وفي معناه من قال : هو احتمال الأذى أو رفع المؤاخذة عن مستحقها بجناية في حق مستعظم ، وهو دلالة كمال العقل واستيلائه وانكسار قوة الغضب وخضوعها للعقل بحيث تثور إلا حيثما يأمر العقل ، ولكن ابتداؤه التحلم وكظم الغيظ تكلفا . قال صلّى اللّه عليه وسلّم