فرجع وكان هذا سبب صحبته للخلق . وذكر لي مأمون بن أحمد رحمه اللّه أنّ الأستاذ أبا إسحاق رحمه اللّه قال لعبّاد جبل لبنان : يا أكلة الحشيش تركتم أمّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم في أيدي المبتدعة واشتغلتم هاهنا بأكل الحشيش ، قالوا له : إنّا لا نقوى على صحبة النّاس ، وإنّما أعطاك اللّه قوّة فلزمك ذلك ، فصنّف بعد ذلك كتابه : [ الجامع للجلىّ والخفىّ ] وكان لهم رضى اللّه عنهم مع غزاوة علمهم العمل الجمّ والنّظر الدّقيق في سلوك طريق الآخرة . واعلم أنّ مثل هذا الرّجل المحتاج إليه النّاس في طرق باب الدّين يحتاج في صحبة الخلق إلى أمرين شديدين :
أحدهما صبر طويل
شرح
دينهم ونوافله ( فرجع ) أبو بكر إلى مخالطتهم ( وكان هذا ) أي سماع النداء ( سبب صحبته للخلق .
وذكر لي مأمون بن أحمد رحمه اللّه أن الأستاذ أبا إسحاق ) إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهران الأسفرايني الملقب بركن الدين الفقيه الشافعي المتكلم الأصولى ، توفى سنة ثمان عشرة وأربعمائة ( رحمه اللّه قال لعباد ) جمع عابد ( جبل لبنان ) بضم اللام جبل بالشام كما في القاموس ( يا أكلة الحشيش ) جمع آكل : أي الذين يأكلون الكلأ اليابس ( تركتم أمة محمد صلى اللّه عليه وسلم في أيدي المبتدعة واشتغلتم ههنا ) أي في جبل لبنان ( بأكل الحشيش ، قالوا ) أي العباد ( له ) أي للأستاذ ( إنا لا نقوى على صحبة الناس ) ومخالطتهم ( وإنما أعطاك اللّه قوة ) عليها ( فلزمك ذلك ) أي المذكور من الصحبة والمخالطة ( فصنف ) الأستاذ ( بعد ذلك ) أي بعد سماع الجواب من عباد لبنان بقولهم : لا نقوى على الصحبة ( كتابه الجامع للجلى والخفي ) أي للظاهر والباطن ( وكان لهم ) أي لعباد لبنان ( رضى اللّه عنهم مع غزارة ) أي كثرة ( علمهم العمل الجم ) أي الكثير ( والنظر الدقيق في سلوك طريق الآخرة . واعلم أن مثل هذا الرجل ) المقتدى به في العلم ( المحتاج إليه الناس في طرق باب الدين يحتاج في صحبة الخلق ) ومعاشرتهم ( إلى أمرين شديدين : أحدهما صبر طويل ) على ما يناله من الأذى الحاصل من صحبتهم ، وهو مقام شريف أثنى اللّه عليه في كتابه وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر وجعلها ثمرة له ، فقال عز من قائل « وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون » فجعل سبحانه وتعالى الصابرين أئمة المتقين ، وقرن الصبر باليقين ، وأن بالصبر واليقين ينال الأمانة في الدين . وقال تعالى« إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ »فما من قربة إلا وأجرها بتقدير وحساب إلا الصبر فقد أوجب الجزاء للمتصف به بغير حساب وحد ، ودل ذلك على أنه من أفضل المقامات . وقال تعالى« وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ »فهذا إخبار منه تعالى أنه معهم .