تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 243

مساهمون:

ص٢٤٣
شرح
قال العلامة الزبيدي : أي معية تتضمن حفظهم ونصرهم وتأييدهم ليست معية عامة ، أعنى معية العلم والإحاطة ، ومن كان معه اللّه غلب كمن كان معه عدة ، وهذا كما قال « وأنتم الأعلون واللّه معكم » واستقصاء جميع الآيات في مقام الصبر يطول . وأما الأخبار الواردة في فضيلة الصبر فقد قال صلّى اللّه عليه وسلّم « الصبر نصف الإيمان » . رواه أبو نعيم والخطيب والبيهقي في الشعب من حديث ابن مسعود ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « الصبر كنز من كنوز الجنة » هكذا ذكره الغزالي وقال صلّى اللّه عليه وسلّم « في الصبر على ما تكره خير » ، قال العراقي : رواه الترمذي من حديث ابن عباس ، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « لو كان الصبر رجلا لكان كريما واللّه يحب الصابرين » قال العراقي رواه الطبراني من حديث عائشة . وقال المسيح عليه السّلام « إنكم لا تدركون ما تحبون إلا بصبركم على ما تكرهون » وقيل أوحى اللّه تعالى إلى داود عليه السّلام : يا داود تخلق بأخلاقى وإن من أخلاقي أني أنا الصبور . نقله صاحب الرسالة . وقال على كرم اللّه وجهه : بنى الإيمان علي أربع دعائم : اليقين ، والصبر ، والجهاد ، والعدل ، وكان حبيب بن أبي حبيب إذا قرأ هذه الآية« إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ »بكى وقال : وا عجباه أعطى وأثنى : أي هو المعطى الصبر وهو المثنى . قال الزبيدي : والرب إذا أثنى على أعمال عباده فقد أثنى على فعل نفسه ، لأن أعمالهم من خلقه ، والأخبار والآثار في ذا الباب مما لا تحصى ، وفيما ذكرناه كفاية لأولى الألباب : واعلم أن الصبر في اللغة : الحبس والكف في ضيق ، ومنه قتل فلان صبرا إذا أمسك وحبس للقتل . قال تعالى« وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ »الآية : أي احبس نفسك معهم ، وهو ضربان : ضرب بدني ، ويقال له الجسمي أيضا ، وذلك كتحمل المشاق بالبدن والثبات عليها على قدر قوة البدن ، ونهايته معلومة وأكثرها لذوي الجسوم الخشنة ، وليس ذلك بفضيلة تامة ، ولهذا قال الشاعر :والصبر بالأرواح يعرف فضله * صبر الملوك وليس بالأجساموهو إما بالفعل كتعاطى الأعمال الشاقة : إما من العبادات كأن يصلى حتى ترم رجلاه أو يصوم مواصلا حتى تسقط قوته ، أو من غيرها كالمشي الكثير ورفع الحجر الثقيل ، وإما بالاحتمال وهو الانفعالي كالصبر على الضرب الشديد بالمقارع والمرض العظيم والجراحات الهائلة ، وذلك قد يكون محمودا إذا وافق الشرع نصا أو قياسا أو استحبابا ولكن المحمود التام هو الضرب الآخر ، وهو الصبر النفسي وذلك بأن يكف النفس عن مشتهيات الطبع ومقتضيات الهوى وبه تتعلق الفضيلة . ثم هذا الصبر ضربان : إن كان صبرا عن تناول شهوة البطن والفرج سمى عفة ، فالعفة لا تتعلق إلا بالقوى الشهوية ، ولا تتعلق من القوى الشهوية إلا بالملاذ الحيوانية وهي المعلقة بالغارين البطن والفرج دون الألوان الحسنة والألحان الطيبة والأشكال المنتظمة ، والعفة أس الفضائل وإنما تتعلق بضبط القلب عن التطلع للشهوات البدنية ، ومن اعتقاد ما يكون جالبا للبغى والعدوان ، وتمامها يتعلق بحفظ الجوارح ، وإن كان عن احتمال مكروه وهو الضرب الثاني ، فهذا قد اختلفت أساميه عند الناس باختلاف المكروه الذي غلب عليه الصبر ، وأخصر من ذلك اختلفت أساميه بحسب اختلاف مواقعه فإن كان ذلك في نزول مصيبة اقتصر به على اسم الصبر ولم يتعدّ به هذا الاسم