[ مخالطة من يحتاج الناس إليه لتعليم دينهم مع صبره على أذاهم أفضل من العزلة والأحاديث والآيات الواردة في ذلك ]
وفيه خطر من الغلط ، فالاوّلان أسلم وأحفظ له ، واللّه ولىّ الهداية بفضله .
وأمّا الرّجل الثّانى : فرجل يكون قدوة في العلم بحيث يحتاج النّاس إليه في امر دينهم لبيان حقّ أو ردّ على مبتدع أو دعوة إلى خير بفعل أو بقول أو نحو ذلك ، فلا يسع مثل هذا الرّجل الاعتزال عن النّاس
شرح
( و ) حاصل الكلام يثبت ( فيه ) أي في الطريق الثالث ( خطر من الغلط ) وهو ضد الصواب ( فالأولان ) أي الطريق الأول والثاني ( أسلم وأحفظ له ) أي للشخص من الطريق الثالث ( واللّه ولى الهداية بفضله ) ومنته ( وأما الرجل الثاني فرجل يكون قدوة ) بكسر القاف ويجوز ضمها ، كذا قاله الرشيدى كما في المصباح وعكس ذلك في المصباح : أي يقتدى به ( في العلم ) ومثل هذا الرجل كما قاله حجة الإسلام وغيره المحتاج إلى تعلم ما هو فرض عليه إما عينا أو كفاية فهو عاص بالعزلة لفواته وإن تعلم الفرض وكان لا يتأتى منه الخوض في العلوم ورأى الاشتغال بالعبادة فليعتزل فإن ذلك القدر يكفيه وإن كان يقدر على التبرز في علوم الشرع والعقل ويتأتى منه تحصيلها فالعزلة في حقه قبل التعلم غاية الخسران ، ولهذا قال إبراهيم بن يزيد النخعي وغيره من أهل العلم : تفقه ثم اعتزل ، قال الزبيدي : أي حصل من علوم الشرع ما تؤدى به فرضك ليكون بناء أمرك على أساس محكم ، ومن اعتزل قبل التعلم لما هو لازم عليه فهو في الأكثر مضيع أوقاته إما بنوم في غالب أوقاته أو فكر في هوس واختلاط ، وغايته أن يستغرق الأوقات بأوراد من أذكار وأحزاب يستوعبها ولا ينفك في أعماله بالبدن والقلب عن أنواع من الغرور يغره الشيطان بها يخيب سعيه ويبطل عمله من حيث لا يدري ولا ينفك اعتقاده في اللّه عز وجل وصفاته عن أوهام وأباطيل يتوهمها في نفسه ويأنس بها ويألف إليها وعن خواطر فاسدة تعتريه فيها ولا يكاد يتخلص منها فيكون في أكثر أحواله ضحكة للشيطان وهو يرى نفسه من العباد ويتخيل إليه أنه في زمرتهم فالعلم هو أصل الدين وأساسه الذي لا يتم إلا به فلا خير إذا في عزلة العوام والجهال ، بل الأفضل في حقهم الاختلاط ومعاشرة أهل العلم ليتعلموا ما وجب عليهم ، أعنى بهؤلاء من لا يحسن العبادة في الخلوة ولا يعرف جميع ما يلزمه فيها ولو بطريق التقليد ؛ فمثال النفس مثال مريض يفتقر إلى طبيب متلطف ليعالجه فالمريض الجاهل إذا خلا بنفسه عن الطبيب قبل أن يتعلم الطب تضاعف لا محالة مرضه فلا تليق العزلة إلا بالعالم الماهر ؛ وأما كون الرجل مقتدي به في العلم فهذا ( بحيث يحتاج الناس إليه ) أي المقتدي به ( في أمر دينهم لبيان حق أورد على مبتدع أو دعوة إلى خير بفعل أو بقول أو نحو ذلك ) أي من الخصلة الحميدة ( فلا يسع ) أي لا يجوز ( مثل هذا الرجل ) الذي يكون قدوة للناس ( الاعتزال ) أي الانفراد ( عن ) مخالطة ( الناس ) لأن ما ذكر من التعليم والتعلم أعظم العبادات في الدنيا ولا يتصور ذلك إلا بالمخالطة مع الناس فإن الإنسان لا يتعلم بنفسه فلا بد من