تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
لا حاجة بالخلق إليه في علم وبيان حكم فالأولى بهذا الرّجل التّفرّد عن النّاس ، فلا يخالطهم إلّا في جمعة أو جماعة أو عيد أو حجّ أو مجلس علم بالسّنّة أو حاجة في معيشة لا بدّ له من ذلك وإلّا فيوارى شخصه ويلزم كنّه لا يعرف ولا يعرف ، فأمّا إن أحبّ هذا الرّجل أن ينقطع عن النّاس فلا يخالطهم في أمر من الأمور ألبتّة من دين أو دنيا وجماعة وجمعة أو غيرهما لما يرى له في ذلك من مصلحته وفراغه ، فإنّه لا يسعه ذلك إلّا بأحد أمرين : إمّا أن يصير
شرح
لا حاجة بالخلق إليه ) أي الرجل ( في علم وبيان حكم ، فالأولى ) أي الأفضل والأحق ( بهذا الرجل التفرد عن الناس فلا يخالطهم إلا في ) حضور ( جمعة ) لأنه قد ورد في تركه وعيد في أخبار صحيحة ( أو جماعة ) أي حضورها في سائر الصلوات أيضا ، إذ لا رخصة في تركه إلا لخوف ضرر ظاهر كعدو يرتقبه في طريقه سواء كان إنسانا أو حيوانا أو غريما يلازمه بحيث يقاوم ما يفوت من فضيلة الجماعة ويزيد عليه وذلك لا يتفق إلا نادرا والنادر لا حكم له كما صرح به الزبيدي ( أو عيد ) للفطر والأضحى ( أو حج ) أي سفره إن استطاع إليه سبيلا كما هو ظاهر ( أو ) حضور ( مجلس علم بالسنة ) أي الطريقة النبوية ( أو ) طلب ( حاجة في معيشة ) أي ما يعيش به ( لا بد له ) أي لذلك الرجل ( من ذلك ) الحاجة فيه ( وإلا ) أي وإن لم ينفرد عن الناس بل أقام بينهم ( فيوارى ) أي يستر ( شخصه ) أي نفسه ( ويلزم كنه ) بكسر الكاف : أي بيته المخفي . قال في المصباح : كننته أكنه من باب قتل ستره في كنه بالكسر وهو السترة ( لا يعرف ) الرجل أحدا من الناس ( ولا يعرف ) لأحد منهم ، ولهذا قيل للفضيل بن عياض رحمه اللّه : إن عليا ابنك يقول لوددت أنى في مكان أرى الناس ولا يروني ، فبكى الفضيل وقال : يا ويح على أفلا أتمها ، فقال لا أراهم ولا يروني أخرجه صاحب الحلية . قال الزبيدي : أشار بذلك إلى أن المقام الثاني أفضل وأعلى درجة إذ في رؤيته للناس شغل كبير عن اللّه تعالى . وقال ابن عباس رضى اللّه عنهما : أفضل المجالس مجلس في قعر بيتك لا ترى أحدا ولا ترى أنت لأحد ( فأما إن أحب هذا الرجل أن ينقطع عن الناس ) بالكلية ( فلا يخالطهم في أمر من الأمور ) المطلوبة ( البتة ) أي قطعا ( من دين أو دنيا وجماعة وجمعة وغيرهما ) أي الدين والدنيا ( لما يرى ) بالبناء للمفعول : أي للأمر الذي يراه الرجل : أي يعتقده ( له ) أي لنفسه ( في ذلك ) أي في انقطاعه عن الناس وعدم مخالطتهم في الأمر ( من مصلحته ) بيان لما ( وفراغه ) للعبادة بسبب فراره من الشواغل الدنيوية ( فإنه ) أي الحال والشأن هذا جواب قوله فأما إن أحب ( لا يسعه ) أي لا يجوز له ( ذلك ) أي المذكور من الانقطاع وعدم المخالفة ( إلا بأحد أمرين ) : الأول ( إما أن يصير ) أي يذهب الرجل