إلى موضع لا يلزمه هنالك هذه الفروض كرؤوس الجبال وبطون الأودية ونحوها ، ولعلّ هذا أحد الوجوه الّتى دعت العباد إلى تلك المواضع البعيدة عن النّاس ، وإمّا أن يتيقّن بالحقيقة أنّ الضّرر الّذى يلحقه في مخالطة النّاس بسبب هذه الفروض أعظم من تركها فحينئذ يكون له عذر في تركها ؛ ولقد رأيت أنا بمكّة حرسها اللّه بعض المشايخ المنفردين من أهل العلم ، وهو لا يحضر المسجد الحرام في الجماعات مع قربه منه وسلامة حاله ، فحاورته في ذلك يوما في حال تردّدى إليه فذكر
شرح
( إلى موضع لا يلزمه هنالك هذه الفروض ) المذكورة كالجمعة وغيرها وذلك ( كرؤوس الجبال ) وشعابها ( وبطون الأودية ونحوها ) من المواضع البعيدة عن العمران ( ولعل هذا ) أي عدم لزوم هذه الفروض في الموضع المذكور ( أحد الوجوه التي دعت ) أي حملت وبعثت ( العباد ) جمع عابد من العبادة ( إلى ) الإقامة والملازمة في ( تلك المواضع البعيدة عن الناس ) كما وقع لبعض السلف الصالحين أنه ترك الجمعة والجماعة وبعضهم فارق الأمصار وانحاز إلى القرى فاتخذها دارا ، وبعضهم انحاز إلى قلل الجبال وشعابها ، وقيل : كان مالك بن أنس رضى اللّه عنه يشهد الجنائز ويعود المرضى ويعطى الإخوان حقوقهم ، فترك ذلك واحدا واحدا بالتدريج كلها واستمر على العزلة نحو اثنتي عشرة سنة ، وأقام عليه أهل عصره النكير وكثر فيه الكلام ، وكان إذا سئل عن انفراده يقول : لا يتهيأ للمرء أن يخبر بكل عذر ، فرب عذر ينبغي عدم إفشائه . وكان سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد قد لزما بيوتهما بالعقيق فلم يكونا يأتيان المدينة لجمعة ولا غيرها حتى ماتا بالعقيق ، وكل ذلك تفرغا للعبادة وفرارا من الشواغل الدنيوية كما ذكره حجة الإسلام وغيره ( و ) الثاني من الأمرين ( إما أن يتيقن ) أي الرجل المعتزل ( بالحقيقة أن الضرر الذي يلحقه في مخالطة الناس ) كالتأذى منهم وغيره ( بسبب هذه الفروض أعظم من تركها ) أي الفروض ( فحينئذ ) أي حين إذ تيقن ذلك ( يكون له ) أي للمعتزل ( عذر ) مرخص ( في تركها ) وهذا العذر خاصّ له لأن العذر إما عامّ وإما خاص . قال العلامة العنانى : العموم والخصوص بالنسبة للأشخاص لا للأزمنة ، فالعام هو الذي لا يختص بواحد دون آخر والخاص بخلافه . قال المصنف رحمه اللّه ( ولقد رأيت أنا بمكة حرسها اللّه ) جملة دعائية بزيادة الحراسة عليها وإلا فهي محروسة ( بعض المشايخ المنفردين من أهل العلم وهو لا يحضر المسجد الحرام في الجماعات مع قربه ) أي بعض المشايخ ( منه ) أي من المسجد الحرام ( و ) مع ( سلامة حاله ) من الأعذار الحسية ( فحاورته ) أي راجعته في الكلام . قال بعضهم : حاوره محاورة وحوارا جاوبه وراجعه في الكلام ( في ذلك ) أي في عدم الحضور مع قرب المكان ( يوما ) من الأيام ( في حال ترددى إليه ) أي إلى البعض ( فذكر