[ اعلم أن هذا الزمان قد أصبح في فساد عظيم وضر كثير ]
فهذه حال أهل الزّهد والرّياضة في ملاقاتهم فكيف حال أهل الرّغبة والبطالة بل حال أهل الشّرّ والجهالة .
اعلم أنّ الزّمان قد أصبح في فساد عظيم وأصبح النّاس في ضرّ كثير فإنّهم يشغلونك عن عبادة اللّه تعالى حتّى لا يكاد يحصل لك منها شئ ثمّ يفسدون عليك ما حصل لك حتّى لا يكاد يسلم لك منها شئ فلزمتك العزلة والتّفرّد عن النّاس والاستعاذة باللّه من شرّ هذا الزّمان وأهله واللّه تعالى الحافظ بفضله ورحمته .
فإن قيل : فما حكم العزلة والتّفرّد عن النّاس فبيّن لنا حال طبقات الخلق فيها والحدّ الّذى يجب منها ؟ فاعلم رحمك اللّه وإيّانا أنّ النّاس في هذا الباب رجلان رجل
شرح
سبحانه وتعالى ( فهذه ) الحال المذكورة ( حال أهل الزهد والرياضة ) أي رياضة النفس وتذليلها وتهذيب الأخلاق ( في ملاقاتهم ) أي لقاء بعضهم بعضا مع أنهم أعرف بما ينفعهم في الدنيا والآخرة ( فكيف حال أهل الرغبة ) في الدنيا ( والبطالة ) بفتح الباء : أي التعطل والإهمال عن العبادة لربهم ( بل ) كيف ( حال أهل الشر والجهالة ) الذين هم كالأنعام يأكلون ألوان الطعام ويتكلمون ألوان الكلام الذي لا يعنيهم في أخراهم أولئك شرار خلق اللّه تعالى ( اعلم ) أرشدك اللّه ( أن ) هذا ( الزمان ) يعنى زمان المصنف ( قد أصبح ) أي صار ( في فساد عظيم ) لعدم انقياد أهله للحق وإعراضهم عن الطاعات وانهماكهم في الشهوات واللذات ( وأصبح الناس في ضر كثير فإنهم ) أي الناس : أي أكثرهم ( يشغلونك عن عبادة اللّه تعالى ) بل قد يمنعونك عنها رأسا ( حتى لا يكاد ) أي لا يقرب ( يحصل لك منها شئ ثم يفسدون عليك ما حصل لك ) من العبادة ( حتى لا يكاد يسلم لك منها شئ فلزمتك ) أي وجبت عليك ( العزلة والتفرد عن الناس ) لأن في العزلة النجاة من الفتن والخصومات ومن شر الناس ومن مشاهدة الثقلاء والسلامة من طمع الناس فيك ومن طمعك في الناس ، فإن انقطاع طمع الناس عنك فيه فوائد ، فإن رضا الناس غاية لا تدرك ، فاشتغال المرء بإصلاح نفسه أولى ، وإن انقطاع طمعك عنهم فيه فائدة جزيلة فإن من نظر إلى زهرة الدنيا وزينتها تحرك حرصه وانبعث بقوة الحرص طمعه ، ومهما اعتزل لم يشاهد وإذا لم يشاهد لم يشته ولم يطمع ، أفاده العلامة محمد نووى الجاوي ( و ) لزمتك أيضا ( الاستعاذة باللّه من شر هذا الزمان وأهله ) . قال بعض المحققين :
ومن لطائف الاستعاذة أنه إقرار من العبد بالعجز والضعف واعتراف منه بقدرة الباري عز وجل وأنه الغنى القادر على دفع جميع المضرات والآفات ( واللّه تعالى الحافظ ) أولياءه عن اقتحام المعاصي والزلات ( بفضله ورحمته . فإن قيل فما حكم العزلة والتفرد عن الناس فبين ) أنت ( لنا حال طبقات الخلق ) أي مراتبهم وحالاتهم ( فيها ) أي في العزلة ( و ) بين لنا ( الحد الذي يجب منها ، فاعلم رحمك اللّه وإيانا أن الناس في هذا الباب ) أي باب العزلة والانفراد عن الناس ( رجلان ) : الأول ( رجل