[ ذكر شيء من الصفات المحمودة لسيدنا إبراهيم بن أدهم وما ورد في حب التفرد عن الناس ]
إبراهيم بن أدهم أفلا تأتيه ؟ فقال لأن ألقى شيطانا ماردا أحبّ إلىّ من لقائه فاستنكروا ذلك من قوله ! فقال إنّى أخاف إذا لقيته أن أتزيّن له وإذا لقيت شيطانا امتنعت منه .
شرح
( إبراهيم بن أدهم ) بن منصور من كورة بلخ ، كان من أبناء الملوك فخرج يوما متصيدا فأثار ثعلبا أو أرنبا وهو في طلبه فهتف به هاتف : يا إبراهيم ألهذا خلقت ، أم بهذا أمرت ؟ ثم هتف به أيضا من قربوس سرجه . واللّه ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت ، فنزل عن دابته وصادف راعيا لأبيه فأخذ جبة للراعى من صوف ولبسها وأعطاه فرسه وما معه ، ثم إنه دخل البادية ثم دخل مكة وصحب بها سفيان الثوري والفضيل بن عياض ودخل الشام ومات بها سنة إحدى وستين ومائة وكان يأكل من يده مثل الحصاد وحفظ البستان وغير ذلك ، وأنه رأى في البادية رجلا علمه اسم اللّه الأعظم فدعا به بعده فرأى الخضر عليه السّلام وقال له إنما علمك أخي داود اسم اللّه الأعظم قال القشيري : أخبرنا بذلك الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى . قال حدثنا محمد بن الحسين بن الخشاب قال حدثنا أبو الحسين علي بن محمد المصري : قال حدثنا أبو سعيد الخراز قال : حدثنا إبراهيم ابن بشار قال : صحبت بن أدهم فقلت خبرني عن بدء أمرك فذكر هذا ، وكان إبراهيم بن أدهم كبير الشأن في باب الورع ، وقيل كان عامة دعائه اللهم انقلنى من ذل معصيتك إلي عز طاعتك ، وقيل لإبراهيم بن أدهم إن اللحم قد غلا فقال أرخصوه : أي لا تشتروه وأنشد في ذلك :وإذا غلا شئ على تركته * فيكون أرخص ما يكون إذا غلاوقال سهل بن إبراهيم صحبت إبراهيم بن أدهم فمرضت فأنفق على نفقته فاشتهيت شهوة فباع حماره وأنفق على ثمنه ، فلما تماثلت : أي قاربت البرء من مرضى قلت يا إبراهيم أين الحمار ؟ فقال بعناه فقلت فعلى ما ذا أركب ؟ فقال يا أخي على عنقي فحملني ثلاث منازل ( أفلا تأتيه فقال ) الخواص ( لأن ألقى شيطانا ماردا ) أي عاتيا عاصيا ذا إقدام وجرأة وبلوغ الغاية في الشر ؛ كذا ذكره الفاسي ( أحب إلى من لقائه ) أي ابن أدهم ( فاستنكروا ) أي الحاضرون عند الخواص صدور ( ذلك ) المذكور ( من قوله ) أي الخواص مع جلالة قدر إبراهيم بن أدهم وورعه ( فقال ) الخواص بيانا لذلك الكلام الذي صدر منه ( إني أخاف إذا لقيته ) أي ابن أدهم ( أن أتزين له ) في كلامي وتصنعت في أحوالي ( وإذا لقيت شيطانا امتنعت منه ) لأنه عدو مبين ، ومثل ذلك ما وقع للفضيل ابن عياض رحمه اللّه كان جالسا وحده في المسجد الحرام ، فجاء إليه أخ له في اللّه تعالى ، فقال له الفضيل ما جاء بك ؟ قال المؤانسة يا أبا على قال هي واللّه بالمواحشة أشبه منها بالمؤانسة هل تريد إلا أن تتزين لي في كلامك وأتزين لك في كلامي وتكذب لي وأكذب لك ؟ إما أن تقوم غنى وإما أن أقوم عنك ؛ كذا في الإحياء . وأخرج أبو نعيم نحوه في الحلية من طريق أحمد بن إبراهيم الدورقي حدّثنا علي بن الحسين قال : بلغ فضيلا أن جريرا يريد أن يأتيه قال فأقفل الباب من خارج فجاء