تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 231

مساهمون:

ص٢٣١
وعن أبي عبيدة : « ما رأيت حكيما قطّ إلّا قال لي في عقب كلامه : إن أحببت ألّا تعرف فأنت من اللّه على بال . والأخبار في هذا الباب أكثر من أن يحتملها هذا الكتاب .
شرح
صار أمره إلى ما صار . وقيل حجم جنيد الحجام داود الطائي فأعطاه دينارا فقيل هذا إسراف فقال لا عبادة لمن لا مروءة له ؛ وكان يقول بالليل : إلهي همك عطل علي الهموم الدنيوية وحال بيني وبين الرقاد ؟ وقال الأستاذ أيضا سمعت محمد بن عبد اللّه الصوفي يقول حدثنا محمد بن يوسف قال : حدثنا سعيد بن عمرو قال : حدثنا علي بن حرب الموصلي قال : حدثنا إسماعيل بن زياد الطائي قال : قالت جارية داود الطائي له أما تشتهى الخبز ؟ فقال : بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية . ولما توفى داود رآه بعض الصالحين في المنام وهو يعدو فقال له مالك ؟ فقال : الساعة تخلصت من السجن فاستيقظ الرجل من منامه فارتفع الصياح بقول الناس مات داود الطائي ، وقال له رجل أوصني ، فقال عسكر الموت ينتظرونك . ودخل بعضهم عليه فرأى جرة ماء انبسطت عليها الشمس ، فقال له ألا تحولها إلى الظل ، فقال حين وضعتها لم يكن شمس وأنا أستحى أن يراني اللّه أمشى لما فيه حظ نفسي . ودخل عليه بعضهم فجعل ينظر إليه ، فقال أما علمت أنهم كانوا يكرهون فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام . قال شيخ الإسلام : فيه تنبيه على كمال النصح لزائره ، ووعظه بما ينتفع به في آخرته من ترك الفضول لعموم الخبر الصحيح « من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه » وهو مالا تدعو إليه حاجة دينية ، وقال العلامة محمد عبد الحق : توفى داود الطائي سنة ستين أو خمس وستين ومائة رحمه اللّه تعالى ( وعن أبي عبيدة ) القاسم بن سلام بتشديد اللام رحمه اللّه وهو معدود فيمن أخذوا الفقه عن الشافعي رضى اللّه عنه ، وكان إماما بارعا في علوم كثيرة منها التفسير والقراءة والحديث والفقه واللغة والنحو والتاريخ ، توفى بمكة سنة اثنتين أو ثلاث وعشرين ومائتين ، وقال البخاري سنة أربع وعشرين وزاد غيره في المحرم . وقال الخطيب في تاريخ بغداد : بلغني أنه عاش سبعا وستين سنة ( ما رأيت حكيما ) وهو العالم صاحب الحكمة المتقن للأمور . قيل لا يسمى الرجل حكيما حتى يجمع العلم والعمل ، وعليه قول أبى الأسود الدؤلي لبعضهم :ابدأ بنفسك فانهها عن غيها * فإذا فعلت بذا فأنت حكيم( قط إلا قال ) الحكيم ( لي في عقب كلامه : إن أحببت أن لا تعرف ) الناس ( فأنت من اللّه علي بال ) أي حال تحمد عاقبته ، ومن ذلك الخلاص من الفتن والخصومات وصيانة الدين والنفس عن الخوض فيها والدخول في غمارها والتعرضّ لأخطارها ، وقلما تخلو البلاد في كل عصر وأوان عن تعصبات دنيوية وفتن وخصومات وشرور فالمعتزل عنهم في سلامة منهم ( والأخبار في هذا الباب ) أي باب العزلة ( أكثر من أن يحتملها هذا الكتاب ) المختصر المسمى [ منهاج العابدين إلي جنة ]
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 231 | السيد احمد بن زيني دحلان