[ الخصلة الثانية التي تقتضى التفرد عن الناس ، وما ورد عن سيدنا يحيى بن معاذ الرازي من أن رؤية الناس بساط الرياء ]
وقد صنفنا فيه كتابا مفردا وسمّيناه : [ كتاب أخلاق الأبرار والنّجاة من الأشرار ] فقف عليه ترى العجب العجاب ، والعاقل يكفيه إشارة ، اللّه ولىّ التّوفيق ، والهداية بفضله .
وأمّا الخصلة الثّانية الّتى تقتضى التّفرّد عن النّاس في هذا الشّأن أنّ النّاس يفسدون عليك ما يحصل لك من العبادة إن لم يعصم اللّه سبحانه بسبب ما يعرض من قبلهم من دواعي الرّياء والتّزّين ، ولقد صدق يحيى بن معاذ الرّازىّ رحمه اللّه حيث قال : رؤية النّاس بساط الرّياء وهؤلاء الزّهاد قد خافوا على أنفسهم من هذا المعنى
شرح
[ ربّ العالمين ] ( وقد صنفنا فيه ) أي في هذا الباب ( كتابا مفردا وسميناه : كتاب أخلاق الأبرار والنجاة من الأشرار فقف ) أي فاطلع وانظر ( عليه ) أي الكتاب المفرد ( تر العجب العجاب ) أي الشئ الغريب بالنسبة لأمثاله مما هو على حجمه : قاله الشبراملسي . قال بعضهم : العجاب ما جاوز حد العجب ، وأمر عجب وعجاب بتخفيف الجيم وتشديدها للمبالغة ، أي يتعجب منه وعجب عجاب مبالغة ، قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى« إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ » :أي بليغ في العجب فإنه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا وما نشاهده من أن الواحد لا يكفى علمه وقدرته بالأشياء الكثيرة ( والقائل يكفيه إشارة ) والغافل لا يفيده صريح عبارة ( واللّه ولىّ التوفيق والهداية بفضله ) أي منه وإحسانه [ وأما الخصلة الثانية ] من الأمرين ( التي تقتضى ) أي تطلب ( التفرّد ) أي الانفراد والعزلة ( عن الناس في هذا الشأن ) المحمود ( أن الناس ) أي أكثرهم ( يفسدون عليك ما يحصل لك من العبادة ) وهذا ( إن لم يعصمه اللّه ) أي يحفظه ( سبحانه بسبب ما يعرض ) أي يحصل ويظهر ( من قبلهم ) بكسر القاف وفتح الباء : أي من جهتهم ( من دواعي ) أي أسباب ( الرياء والتزين ، ولقد صدق ) أبو زكريا الواعظ ( يحيى بن معاذ الرازي ) أحد رجال الطريقة ، توفى يوم الاثنين لست عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين ومائتين ( رحمه اللّه حيث قال : رؤية الناس بساط الرياء ) بالكسر ممدودا مشتق من الرؤية : وهي النظر بحاسة البصر ؛ وقد رأى الشخص رؤية ، وأصل الرياء طلب المنزلة في قلوب الناس بإيرائهم خصال الخير فيظنون به خيرا ويكرمونه إلا أن الجاه والمنزلة تطلب في القلب بأعمال سوى العبادات ، وتارة تطلب بالعبادات واسم الرياء مخصوص بحكم العادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادات وإظهارها للناس فحد الرياء هو إرادة المنزلة عند العباد بطاعة اللّه ، فالمرائى هو العابد يرائى الناس بعبادته ، والمرائي له هم الناس المطلوب رؤيتهم بطلب المنزلة في قلوبهم ، والمراءى به هو اسم الخصال التي قصد المرائي إظهارها لهم ، والرياء هو قصده إظهار ذلك ولا يقع غالبا إلا عن غفلة عن الخالق وعمايته عنه .
قال المصنف ( وهؤلاء الزهاد ) من السلف الصالحين ( قد خافوا على أنفسهم من هذا المعنى ) وهو