[ ذكر ما كان عليه داود الطائي من الزهد والورع ومع ذلك وجد شدة بعد الموت لم يفرغ منها إلا بعد زمن طويل ]
وعالج قلبك وخذ ما تعرف ودع ما تنكر . وقال سفيان الثّورىّ : هذا زمان السّكوت ولزوم البيوت والرّضا بالقوت إلى أن تموت .
( وعن داود الطّائىّ ) رحمه اللّه : صم عن الدّنيا واجعل فطرك الآخرة
شرح
كما هو ظاهر ( وعالج ) أي زاول وداو ( قلبك ) أي بأنواع الخيرات ( وخذ ما تعرف ) من الخير ( ودع ) أي اترك ( ما تنكر ) من الشر . قال الشافعي رضى اللّه عنه ليونس بن عبد الأعلى واللّه ما أقول لك إلا نصحا ، إنه ليس إلى السلامة من الناس من سبيل فانظر ما ذا يصلحك فافعله ودع الناس وما هم فيه . وقال أيضا : ما من أحد إلا له محب ومبغض ، فإذا كان هكذا فكن مع أهل طاعة اللّه ، أخرجه البيهقي في مناقبه . وقيل للحسن البصري يا أبا سعيد إن قوما يحضرون مجلسك ليس بغيتهم الفائدة منك ولا الأخذ منك إلا تتبع سقطات كلامك وتعنتك في السؤال ليعيبوك بذلك ، فتبسم الحسن وقال هون على نفسك يا ابن أخي فانى حدثت نفسي بسكن الجنان ومجاورة الرحمن فطمعت ولم تطمع في السلامة من الناس لأنى قد علمت أن خالقهم ورازقهم ومحييهم لم يسلم منهم فكيف أحدث نفسي بالسلامة ، ولذلك قال الثوري : رضا الناس غاية لا تدرك فأحمق الناس من طلب مالا درك فيه ، فرضا اللّه تعالى أولى بالطلب ( وقال سفيان ) بن سعيد ( الثوري ) رحمه اللّه ( هذا زمان السكوت ولزوم البيوت ) وزاد غيره فقال : والقناعة بأقل القوت ( والرضا بالقوت ) وفي نسخة : والرضا بما يقوت ( إلى أن تموت ) . وقال وهيب بن الورد :
بلغنا أن الحكمة عشرة أجزاء : تسعة منها في الصمت والعاشر في عزلة الناس ، أخرجه أبو نعيم في الحلية . وقال يوسف بن مسلم لعلي بن بكار المصيصي : ما أصبرك على الوحدة وقد كان لزم البيت فقال كنت وأنا شاب أصبر على أكثر من هذا كنت أجالس الناس ولا أكلمهم ، وقد جرى لداود الطائي هكذا فإنه جلس في مجلس أبي حنيفة سنة ترد عليه الفتاوى والأسئلة وهو لا يكلمهم ثم اعتزل الناس ، وقد علم من ذلك أن مخالطة الناس مع عدم الكلام معهم أشد من الانفراد والوحدة .
وقال بعضهم : كنت في سفينة ومعنا شاب من العلوية فمكث معنا سبع ليال لا نسمع له كلاما فقلنا له : يا هذا قد جمعنا اللّه وإياك منذ سبع ليال في هذه السفينة ، ولا نراك تخالطنا ولا تكلمنا ، فأنشأ يقول :قليل الهم لا ولد يموت * ولا أمر يحاذره يفوت
قضى وطر الصبا وأفاد علما * فغايته التفرد والسكوت( وعن ) الأستاذ أبى القاسم القشيري قال : أخبرنا عبد اللّه بن يوسف الأصبهاني قال أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن يحيى المزكى قال : حدثنا قاسم بن أحمد قال : سمعت ميمونا الغزال قال : قال أبو الربيع الواسطي : قلت لأبى سليمان ( داود ) بن نصير ( الطائي ) الكوفي ( رحمه اللّه أوصني ) فقال ( صم عن الدنيا ) بزهدك فيها وإمساكك عن نعيمها ( واجعل فطرك الآخرة )