تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
وفرّ من النّاس فرارك من الأسد .
شرح
لأن ذلك سبب سلامة دينك وبدنك وعرضك ومعين على صومك عن الدنيا ( وفر من الناس فرارك من الأسد ) أخرج أبو نعيم قال : حدثنا إبراهيم بن عبيد اللّه حدثنا محمد بن إسحاق زكريا عن أبي الربيع الأعرج قال : أتيت داود الطائي وكان داود لا يخرج من منزله حتى يقول المؤذن قد قامت الصلاة فيخرج فيصلى فإذا سلم الإمام أخذ نعله ودخل منزله ، فلما طال ذلك علي أدركته وقلت له علي رسلك فوقف لي ، فقلت : أبا سليمان أوصني ، قال : اتق اللّه وإن كان لك والدان فبرهما ثلاث مرات ، ثم قال في الرابعة ويحك صم عن الدنيا واجعل الفطر موتك واجتنب الناس غير تارك لجماعتهم . وقال أيضا : حدثنا إبراهيم بن عبد اللّه حدثنا محمد إسحاق ، وحدثنا عبد اللّه ابن محمد حدثنا محمد بن عبد المجيد التميمي حدثنا عبد اللّه بن إدريس قال قلت لداود الطائي أوصني فقال : أقلل من معرفة الناس ، قلت زدني قال : ارض باليسير من الدنيا مع سلامة الدين كما رضى أهل الدنيا بالدنيا مع فساد الدين . قلت ، زدني قال : اجعل الدنيا كيوم صمته ثم أفطر على الموت . وأما قوله فر من الناس فرارك من الأسد فأخرجه أبو نعيم من طريق عثمان بن زفر حدثنا سعيد قال : كان داود شديد الانقباض ولقد جثته يوما في وقت الصلاة فانتظرته حتى خرج فمشيت معه والمسجد منه قريب فسلك بي غير طريقه ، فقلت أين تريد ؟ فسلك بي في سكك خالية حتى خرج على المسجد ، فقلت الطريق ثم أقرب عليك ، فقال يا سعيد فر من الناس فرارك من السبع ، إنه ما خالط أحد إلا نسي العهد . وأخرج أيضا من طريق حسن بن مالك عن بكر العابد قال : سمعت داود الطائي يقول : توحش من الناس كما تتوحش من السباع ، ذكره العلامة الزبيدي . ( تنبيه ) قال الأستاذ أبو القاسم القشيري أخبرنا الشيخ أبو عبد الرحمن السلمى رحمه اللّه قال أخبرنا أبو عمر بن مطر قال : حدثنا محمد بن المسيب قال : حدثنا ابن خبيق قال قال يوسف ورث داود الطائي عشرين دينارا فأكلها في عشرين سنة ؛ وقال : سمعت الأستاذ أبا على الدقاق رحمه اللّه يقول : كان سبب زهد داود الطائي أنه كان يمر ببغداد فمر يوما فنحاه المطرقون بين يدي حميد الطوسي فالتفت داود فرأى حميدا فقال داود أف لدينا سبقك بها حميد ولزم البيت وأخذ في الجهد والعبادة . وسمعت ببغداد بعض الفقراء يقول إن سبب زهده أنه سمع نائحة تنوح وتقول :بأي خديك تبدى البلى * وأي عينيك إذن سالاوقيل كان سبب زهده أنه كان يجالس أبا حنيفة رضى اللّه عنه فقال له أبو حنيفة يوما يا أبا سليمان أما الأداة فقد أحكمناها ، فقال له داود فأي شيء بقي ؟ فقال العمل به . قال داود فنازعتنى نفسي إلى العزلة . فقلت لنفسي حتى تجالسهم ولا تتكلم في مسئلة ، قال فجالستهم سنة لا أتكلم في مسئلة وكانت المسئلة تمر بي وأنا إلى الكلام فيها أشد نزاعا من العطشان إلى الماء البارد ولا أتكلم به ثم