تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 227

مساهمون:

ص٢٢٧

[ ما كتبه ابن عيينة على باب داره ، ونبذة يسيرة في شأن الفضيل بن عياض رحمه اللّه وما ورد عنه وعن غيره من العارفين في مدح العزلة ]

وما زلت مذلاح المشيب بمفرقى * أفتّش على هذا الورى وأكشّف فما أن عرفت النّاس إلّا ذممتهم * جزى اللّه خيرا كلّ من لست أعرف ومالي ذنب أستحقّ به الحفا * سوى أنّنى أحببت من ليس ينصف
قال : وقيل كتب على باب الدّار : جزى اللّه من لا يعرفنا خيرا ، ولا جزى بذلك أصدقاءنا ، فما أوذينا قطّ إلّا منهم ، وأنشدوا فيه :
جزى اللّه عنّا الخير من ليس بيننا * ولا بينه ودّ ولا نتعارف فما صابنا همّ ولا نالنا أذى * من النّاس إلّا من نودّ ونعرف
شرح
( وما زلت ) من الأفعال الناقصة ( مذلاح ) أي حين ظهر ( المشيب ) أي الشيب ( بمفرق ) بفتح الراء وكسرها : أي وسط رأسي وهو الموضع الذي يفرق فيه الشعر كما في المختار ( أفتش ) بضم الهمزة وكسر التاء من التفتيش بمعنى التفحص ( عن هذا الورى ) أي الخلق ( وأكشف ) أي أبين عن حالهم ( فما ) نافية ( إن ) زائدة ( عرفت الناس إلا ذممتهم ) والذم خلاف المدح ( جزى اللّه خيرا ) جملة دعائية ( كل من لست أعرف ) لإفادته التخفيف لسقوط الحقوق عنه لأنه يقال : كلما كثرت المعارف كثرت الحقوق ، وكلما طالت الصحبة تأكدت المراعاة ( ومالي ذنب أستحق به ) أي الذنب ( الجفا ) بالقصر للضرورة وهو ضد البر ( سوى أنني أحببت من ليس ينصف ) بضم الياء : أي يعدل من نفسه ، بخلاف من هو متصف بالعدل من نفسه فإنه الجليس الصالح الذي يذكرك اللّه رؤيته وسيرته وإن وجدته كذلك فالزمه واعتقد قلبك علي خلطته ولا تفارقه واغتنمه ولا تستحقره فإنها غنيمة العاقل وضالة المؤمن ، وتحقق أن الجليس الصالح خير من الوحدة ، وأن الوحدة خير من الجليس السوء ، ومهما فهمت هذه المعاني ولا حظت طبعك والتفت إلى حال من أردت مخالطته لم يخف عليك أن الأولى التباعد عنه بالعزلة أو التقرب إليه بالخلطة ، وإياك أن تحكم مطلقا على العزلة أو الخلطة بأن أحدهما أولى من الآخر إذ كل مفصل ، فاطلاق القول فيه بلا أو نعم خلف محض ولا حق في المفصل إلا التفصيل فيعطى كل ذي حق حقه كذا في الإحياء ( قال ) ابن عيينة ( وقيل كتب على باب الدار ) أي دار الثوري ( جزى اللّه ) جملة دعائية ( من لا يعرفنا خيرا ولا جزى ) اللّه ( بذلك ) الخير ( أصدقاءنا ) جمع صديق ( فما أوذينا قط إلا منهم ، وأنشدوا ) شعرا من بحر الطويل ( فيه ) أي في معنى المكتوب على باب الدار ( جزى اللّه عنا الخير من ليس بيننا . ولا بينه ود ) بضم الواو وفتحها وكسرها : أي مودة ومحبة ( ولا نتعارف . فما صابنا ) صاب من باب باع لغة في أصاب ( هم ) وحزن ( ولا نالنا أذى . من الناس إلا من نود ) أي نحب ( و ) من ( نعرف ) من حاله .