تخطي إلى المحتوى الرئيسي

سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 20

مساهمون:

ص٢٠
وقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ألا وإنّ الجنّة حزن بربوة ألا وإنّ النّار سهل بسهوة
شرح
هكذا رواه مسلم حفت ووقع للبخاري حفت ووقع فيه أيضا حجبت وكلاهما صحيح ومعناه لا يوصل إلى الجنة إلا بارتكاب المكاره ، والنار إلا بارتكاب الشهوات ، وكذلك هما محجوبتان بهما ، فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب ، فهتك حجاب الجنة : اقتحام المكاره ، وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات . قال القرطبي في التذكرة قال العلماء : والمكاره كل ما يشق على النفس فعله ويصعب عليها عمله كالطهارة في شدة البرد ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والصبر على ما يقاسيه من أهل المنكر ، والصبر على المصائب وجميع المكروهات اه فيدخل فيها الاجتهاد في العبادة والمواظبة عليها ، والصبر على مشقاتها ، وكظم الغيظ ، والحلم ، والصدقة ، والاحسان إلى المسىء والصبر عن الشهوات ، كذا قاله النووي ، وأطلق عليها مكاره لمشقتها على العامل وصعوبتها عليه قاله القسطلاني ، وأما الشهوات التي النار محفوفة بها ، فالظاهر أنها الشهوات المحرمة كالخمر والزنا والنظر إلى الأجنبية والغيبة واستعمال الملاهي ونحو ذلك ، وأما الشهوات المباحة فلا تدخل في هذه ، لكن يكره الإكثار منها مخافة أن يجره إلى المحرمة أو يقسى القلب أو يشغل عن الطاعات أو يحوج إلى الاعتناء بتحصيل الدنيا للصرف فيها ونحو ذلك كما قاله في شرح مسلم وأصل الحفاف هو الدائر بالشئ المحيط به الذي لا يتوصل إليه إلا بعد أن يتخطى ، وأما معنى الشهوات فهو كل ما يوافق هوى النفس ويلائمها وتدعو إليه ويوافقها كترك الطهارة عند النوم في البرد وترك التورّع في المأكل والمنطق ونحوه ، كذا ذكره القرطبي ، وهذا الحديث من جوامع كلمه صلّى اللّه عليه وسلّم وبديع بلاغته في ذم الشهوات وإن مالت إليها النفوس والحضّ على الطاعات وإن كرهتها النفوس وشقت عليها ، وفي رواية للترمذي أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : لما خلق اللّه الجنة أرسل جبريل إلى الجنة فقال : انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها ، قال : فجاء جبريل عليه السّلام ونظر إليها وإلى ما أعده اللّه تعالى لأهلها فيها قال : فيرجع إليه ، فقال فو عزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها ، فأمر بها فخفت بالمكاره ، وقال : ارجع إليها فانظر ما أعددت لأهلها فيها ، قال فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره فرجع إليه سبحانه وتعالى وقال فو عزتك لقد خفت أن لا يدخلها أحد ، ثم قال له اذهب إلى النار فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فإذا هي يركب بعضها بعضا ، فرجع إليه فقال : فو عزتك لقد خفت أن لا يسمع بها أحد فيدخلها فأمر بها فخفت بالشهوات ، فقال ارجع إليها فرجع إليها فقال : وعزتك لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها . ( وقال صلّى اللّه عليه وسلّم ألا وإن الجنة ) أي إن عملها الذي يوصل إليها كما في الجامع الصغير ( حزن ) أي صعب شاق على النفس ( بربوة ) بضم الراء أفصح من فتحها وكسرها : أي بمكان مرتفع فلا يصله الشخص إلا بمشقة كما في الخبر السابق « حفت الجنة بالمكاره » ( ألا وإن النار ) أي إن عمل النار الموصل إليها ( سهل ) أي على النفس لموافقته لشهواتها ( بسهوة ) بسين مهملة ، أي بأرض لبنة ، قال في النهاية : السهوة : الأرض اللينة التربة ، شبه المعصية في
سراج الطالبين ( شرح منهاج العابدين للغزالي ) — صفحة 20 | السيد احمد بن زيني دحلان