ما ليس لنا ، فكيف بنا حين أدركناه على قلّة علم وقلّة صبر وقلة أعوان على الخير وكدر من الدّنيا وفساد من النّاس ، فإنّ عمر بن الخطّاب رضى اللّه عنه قال : في العزلة راحة من خلطاء السّوء ، وفي مثل هذا قيل :
هذا الزّمان الّذى كنّا نحاذره * في قول كعب وفي قول ابن مسعود
دهر به الحقّ مردود بأجمعه * والظّلم والبغى فيه غير مردود
أعمى أصمّ من الأزمان ملتبس * فيه لإبليس تصويب وتصعيد
شرح
الدين ( ما ليس لنا فكيف ) الحال ( بنا حين أدركناه على ) أي مع ( قلة علم وقلة صبر ) على الأذى ( وقلة أعوان ) جمع عون بمعنى معين ( على الخير ، و ) مع ( كدر ) ضد الصفو ( وفساد من الناس ، فإن عمر بن الخطاب ) أمير المؤمنين مشهور جم المناقب ( رضى اللّه عنه قال : في العزلة راحة من خلطاء السوء ) جمع خليط ، وذلك لأن أنواع الشرور الذي يلقاه الإنسان من معارفه وممن يختلط به كثيرة ، وبالعزلة ينتفى ذلك . وقد ترجم البخاري في الصحيح : العزلة راحة من خلطاء السوء ، وذكر حديث أبي سعيد مرفوعا « ورجل يعبد في شعب من الشعاب يعبد ربه ويدع الناس من شره » . وقال بعضهم لعبد اللّه بن الزبير ألا تأتى المدينة ؟ قال ما بقي إلا حاسد نعمة أو فرح بنقمة ، فإن رأى صاحبه في نعمة حسده عليها ، وإن رأى به نقمة فرح بها ، وكان بعضهم لزم مطالعة الكتب في أي فن كان وزيارة المقابر في طرف النهار ، فقيل له في ذلك ؟ فقال لم أر أسلم من وحدة ، ولا أوعظ من قبر ، ولا جليسا أمتع من دفتر ، وفي ذلك قيل :تعم المحدث والجليس كتاب * تلهو به إن خانك الأصحاب
لا مفشيا سرا إذا أودعته * يوما إذا ما ملك الأحبابوقال ابن السماك : كتب صاحب لنا : أما بعد فإن الناس كانوا دواء يتداوى به فصاروا داء لا دواء له ففر منهم فرارك من الأسد ( وفي مثل هذا ) المعنى ( قيل ) في الشعر من بحر البسيط ( هذا الزمان الذي كنا نحاذره ) وفي نسخة نحذره : أي نخاف منه ( في ) بمعنى عن ( قول كعب ) بن مانع الحميري ، ولقبه الأحبار على المشهور ، وكنيته أبو إسحاق ثقة مخضرم ، كان من أهل اليمن فسكن الشام ، مات في آخر خلافة عثمان وقد زاد على المائة . قال الحافظ ابن حجر : وليس له في البخاري رواية ولا في مسلم إلا حكاية ويروى كذلك عن علي وابن عباس و ( في ) أي عن ( قول ابن مسعود .
دهر به الحق مردود بأجمعه . والظلم والبغى ) مترادفان ( فيه ) أي الزمان ( غير مردود أعمى أصم من الأزمان ملتبس ) أي مختلط ( فيه ) خبر مقدم ( لا بليس تصويب ) مبتدأ مؤخر والتصويب النزول . وتصعيد