قلت أنا : ولئن حلّت في زمانه ففي زماننا هذا وجبت وافترضت . وعن سفيان الثّورىّ أيضا أنّه كتب إلى عبّاد الخوّاص رحمهما اللّه : أمّا بعد : فإنّك في زمان كان أصحاب محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم يتغوّذون باللّه من أن يدركوه فيما بلغنا ولهم من العلم ،
شرح
أخبرنا عبد اللّه بن محمد الحميدي الشيرازي ، حدثنا القاضي أحمد بن محمود بن خرزاذ الأهوازي ، حدثنا علي بن محمد النصرى ، حدثنا أحمد بن محمد الحلبي قال : سمعت سريا السقطي يقول سمعت بشرا ، يعنى ابن الحارث يقول : قال إبراهيم بن أدهم وقفت على راهب في جبل لبنان فناديته ؛ فأشرف على فقلت له عظني ، فأنشأ يقول :خذ عن الناس جانبا * كي يعدوك راهبا
إن دهرا أظلنى * قد أراني العجائبا
قلب الناس كيف شئت تجدهم عقارباقال بشر : هذه موعظة الراهب لك ، فعظنى أنت ، فأنشأ يقول :توحش من الإخوان لا تبغ مؤنسا * ولا تتخذ أخا ولا تبغ صاحبا
وكن سامرى الفعل من نسل آدم * وكن أوحديا ما قدرت مجانبا
فقد فسد الإخوان والحب والإخا * فلست ترى إلا مزوقا كاذباقال سرى ، فقلت لبشر : هذه موعظة إبراهيم لك فعظنى أنت ، فساق الكلام بتمامه ، وفيه :
فقال أبو بكر الخطيب ، فقلت للقاضي بن رامين هذه موعظة الحميدي لك فعظنى ، فقال اتق اللّه وثق به ولا تتهمه فإن اختياره لك خير من اختيارك لنفسك ، وأنشأ :اتخذ اللّه صاحبا * وذر الناس جانبا
جرب الناس كيف شئت تجدهم عقارباوقال بشر بن عبد اللّه : أقل من معرفة الناس فإنك لا تدرى ما يكون يوم القيامة ، فإن تكن فضيحة كان من يعرفك قليلا ، ودخل بعض الأمراء على حاتم الأصم فقال : ألك حاجة ؟ قال نعم .
قال ما هي ؟ قال لا تراني ولا أراك . قال الزبيدي : أشار بذلك إلى أن الاعتزال عنهم أسلم للدين ( قلت أنا : ولئن حلت ) تلك العزلة ( في زمانه ) وهو في أوائل القرن الثاني ( ففي زماننا هذا ) يعنى في أواخر القرن الخامس ( وجبت وافترضت ) هما مترادفان : أي وجبت العزلة والانفراد : هذا في زمانه رحمه اللّه تعالى فكيف الحال في هذا الزمان ! فلا حول ، ولا قوة إلا باللّه ( و ) روى ( عن سفيان ) بن سعيد ( الثوري أيضا أنه كتب إلى عباد الخواص رحمهما اللّه : أما بعد ) أي بعد إهداء السّلام ونحوه ( فإنك في زمان كان أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم يتعوذون باللّه من أن يدركوه ) أي هذا الزمان ( فيما بلغنا ) أي من الأخبار ( و ) الحال أن ( لهم من العلم ) بمهمات