[ السلف الصالح أجمعوا على التحذير من زمانهم وأهله وآثروا العزلة ، وأمروا بذلك وتواصوا به ]
( قلت ) وجميع ما ذكر في هذه الأخبار تراه بعينك في زمانك وأهله ، فانظر لنفسك .
ثمّ إنّ السّلف الصّالح رضوان اللّه عليهم ،
شرح
النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : إنكم في زمان علماؤه كثير وخطباؤه قليل ، من ترك فيه عشر ما يعلم هوى أو قال هلك ، وسيأتي على الناس زمان يقل علماؤه ويكثر خطباؤه : من تمسك فيه بعشر ما يعلم نجا » . وللحديث المذكور شواهد : منها عند الترمذي من حديث أبي هريرة « إنكم في زمان من ترك فيه عشر ما أمر هلك ، ثم يأتي زمان من عمل منهم عشر ما أمر به نجا » ، وعند الطبراني في الأوسط والحاكم في التاريخ عن أبي هريرة أيضا « سيأتي زمان تكثر فيه القراء وتقل الفقهاء ، ويقبض العلم ويكثر الهرج ، ثم يأتي بعد ذلك زمان يقرأ القرآن رجال من أمتي لا يجاوز تراقيهم ، ثم يأتي بعد ذلك زمان يجادل المشرك باللّه المؤمن في مثل ما يقول » .
وأخرج أبو القاسم اللالكانى في سننه من طريق علقمة عن عبد اللّه قال : كيف أنتم إذا لبستم فتنة يربو فيها الصغير ويهرم فيها الكبير إذا ترك فيها شئ ؟ قيل ترك السنة ، قيل متى ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : ذلك إذا ذهب علماؤكم وكثرت جهالكم وكثرت قراؤكم وقلت فقهاؤكم ، كذا نقله العلامة الزبيدي ( قلت : وجميع ما ذكر في هذه الأخبار ) من الفتن وغيرها ( تراه بعينك في زمانك وأهله فانظر ) أي فتفكر ( لنفسك ) أي فيما يصلح لنفسك ( ثم ) اعلم ( أن السلف الصالح ) ذوى البصائر ؛ والصالح من استقامت أفعاله وأقواله ، أو القائم بما عليه من حقوق اللّه وحقوق العباد ، أو الآتي بما ينبغي والمتحرز بما لا ينبغي ، كذا قاله الفاسي ، ويطلق الصالح على النبي كما يطلق على الولي إلا أن الصلاح في الأنبياء أكمل منه في الأولياء ( رضوان اللّه عليهم ) جملة خبرية اللفظ دعائية المعنى ، ورضى يتعدى بعلى كما يتعدى بعن ، قال القحيف العامري العقبلى :إذا رضيت على بنو قشير * لعمر اللّه أعجبني رضاهاأي عنى ، وقال ابن هشام : ويحتمل أن رضى ضمن معنى عطف . وقال الكسائي : حمل على نقيضه وهو سخطه كما يحمل على نظيره . قال ابن جنى : وكان أبو علي يستحسن قوله ، وقد سلك سيبويه هذا الطريق في المصادر كثيرا . وقال أبو عبيدة وغيره : إنما ساغ هذا لأن معناه أحببته وأقبلت عليه بوجه ود . قال الشيخ أبو عبد اللّه العربي الفارسي رحمه اللّه : وقد سلكوا في الدعاء إيراد على مع المصدر سواء كان فعله يتعدى بنفسه كالرحمة واللعنة ، أم بحرف جر غير على كالرضوان ، وكأنهم راعوا وقوع المدعو به على المدعو له أو عليه ؛ نقله الفاسي في شرح الدلائل